د. محمد الجوهري: أسباب ارتفاع الدولار.. الأموال الساخنة ومتطلبات إدارة سوق الصرف

كتب: على طه

قال الخبير الاقتصادي د. محمد الجوهري إن الارتفاع الأخير في سعر صرف الدولار أمام الجنيه المصري، والذي تجاوز مستوى 53 جنيهًا، يمكن تفسيره من خلال مجموعة من العوامل المتداخلة، مشيرًا إلى أن ما يحدث لا يرتبط بعامل واحد فقط، بل هو نتاج تفاعل بين التطورات الجيوسياسية في المنطقة وإدارة السياسة النقدية داخل مصر.

وأوضح الجوهري، في تصريحات خاصة لموقع بيان الإخباري، أن الأسواق المالية المصرية شهدت خلال الفترة الأخيرة ضغوطًا على سعر صرف الجنيه، الأمر الذي أثار تساؤلات حول ما إذا كان هذا الارتفاع مرتبطًا فقط بالأحداث الجيوسياسية في الشرق الأوسط أم أنه جزء من تحرك اقتصادي أوسع لإدارة سوق الصرف والحفاظ على استقرار الاقتصاد الكلي.

التوترات الجيوسياسية والأموال الساخنة

وأضاف أن العامل الأول في هذا الارتفاع يتمثل في التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في الشرق الأوسط، خاصة مع اندلاع المواجهة العسكرية بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، موضحًا أن هذه التطورات أدت إلى حالة من القلق في الأسواق العالمية وانعكست مباشرة على حركة رؤوس الأموال الدولية.

وأشار إلى أنه في مثل هذه الظروف تميل الاستثمارات الأجنبية قصيرة الأجل إلى الخروج من الأسواق الناشئة والتوجه إلى الملاذات الآمنة مثل الدولار الأمريكي والذهب والسندات الأمريكية، وهو ما حدث بالفعل مع بداية التصعيد العسكري، حيث شهدت عدة أسواق ناشئة خروجًا جزئيًا لما يُعرف بـ”الأموال الساخنة”.

المستثمر الأجنبى وطلب العملة

ولفت الجوهري إلى أن السوق المصري تأثر بهذه التحركات نظرًا لوجود نسبة من استثمارات الأجانب في أدوات الدين المحلية مثل أذون وسندات الخزانة، موضحًا أن المستثمر الأجنبي عندما يقرر الخروج من هذه الأدوات يقوم بتحويل أمواله من الجنيه إلى الدولار، ما يخلق طلبًا إضافيًا على العملة الأمريكية ويضغط على سعر الصرف.

أسعار النفط

وأضاف أن الحرب في منطقة الخليج تؤثر كذلك على أسعار النفط العالمية، وهو عامل شديد الحساسية بالنسبة للاقتصاد المصري، موضحًا أن ارتفاع أسعار النفط يؤدي إلى زيادة فاتورة الاستيراد، ومن ثم ارتفاع الطلب على الدولار لتغطية واردات الطاقة والمواد الخام.

وأشار إلى أن استمرار التوترات العسكرية يرفع أيضًا توقعات المستثمرين بزيادة تكاليف التجارة والشحن والتأمين، وهو ما يضيف ضغوطًا إضافية على العملات في الاقتصادات الناشئة.

إدارة السياسة النقدية

وأوضح الجوهري أن العامل الثاني وراء تحرك سعر الصرف يرتبط بإدارة السياسة النقدية وسوق الصرف داخل مصر، لافتًا إلى أن الدولة تتبنى منذ فترة سياسة مرونة سعر الصرف بهدف القضاء على السوق الموازية وجذب الاستثمارات الأجنبية.

وأكد أنه في بعض الأحيان قد تسمح السلطات النقدية بحدوث تحرك تدريجي في سعر الصرف يعكس قوى العرض والطلب الحقيقية داخل السوق، مشيرًا إلى أن هذا التحرك قد يكون جزءًا من استراتيجية للحفاظ على جاذبية الاستثمار في أدوات الدين المصرية.

وأضاف أن فترات التوتر العالمية عادة ما تشهد ارتفاع احتمالات خروج الأموال الساخنة من الأسواق الناشئة، ولذلك قد تلجأ بعض الدول إلى تعديلات محدودة في سعر الصرف للحفاظ على تنافسية العائد الحقيقي للمستثمرين الأجانب وتجنب حدوث صدمات مفاجئة في سوق النقد الأجنبي.

تحرك مرن لسعر الصرف

وأشار إلى أن السماح بتحرك مرن لسعر الصرف يبعث كذلك رسالة إيجابية للمؤسسات الدولية والمستثمرين بأن الاقتصاد المصري يسير في اتجاه الإصلاحات الهيكلية التي تعتمد على آليات السوق، بدلًا من التدخلات الإدارية المباشرة في تحديد سعر العملة.

وأوضح أن هذه الرسالة تعد عنصرًا مهمًا في تعزيز الثقة في الاقتصاد المصري، خاصة في ظل المراجعات الدورية لبرامج الإصلاح الاقتصادي مع المؤسسات المالية الدولية.

وأكد الجوهري أن ما يحدث في سوق الصرف حاليًا هو نتيجة تفاعل بين الضغوط الخارجية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط وبين إدارة السياسة الاقتصادية الداخلية، مشيرًا إلى أن الحكومة المصرية والبنك المركزي يعملان على إدارة هذه الضغوط بما يحافظ على استقرار الاقتصاد ويمنع حدوث تقلبات حادة في السوق.

وأضاف أن الاقتصاد المصري يمتلك عددًا من عوامل التوازن المهمة، من بينها تنوع مصادر النقد الأجنبي مثل السياحة وتحويلات المصريين العاملين بالخارج وإيرادات قناة السويس والاستثمارات الأجنبية، إضافة إلى الاحتياطي النقدي الذي يوفر هامش أمان للتعامل مع التقلبات قصيرة الأجل.

ظروف استثنائية

وشدد الجوهري على أن ارتفاع سعر الدولار في المرحلة الحالية يمكن اعتباره انعكاسًا لظروف استثنائية يمر بها الاقتصاد العالمي والمنطقة، وليس بالضرورة مؤشرًا على وجود أزمة هيكلية في الاقتصاد المصري.

وأشار إلى أن مسار سعر الصرف خلال الفترة المقبلة سيظل مرتبطًا بعدة عوامل، في مقدمتها تطورات الأوضاع الجيوسياسية في المنطقة واستقرار الأسواق العالمية، إضافة إلى سياسات البنك المركزي المصري في إدارة السيولة وسوق النقد الأجنبي.

واختتم الجوهري تصريحاته بالتأكيد على أنه مع تراجع حدة التوترات العسكرية واستعادة الأسواق العالمية قدرًا من الاستقرار، من المتوقع أن تنخفض الضغوط على العملات في الأسواق الناشئة تدريجيًا، وهو ما قد ينعكس إيجابيًا على استقرار سوق الصرف في مصر خلال الفترة القادمة.

اقرأ أيضا:

نجيب ساويرس: لا جدوى من مهاجمة الحكومة بسبب زيادة أسعار الوقود

زر الذهاب إلى الأعلى