القس بولا فؤاد رياض يكتب: أحد التناصير

بيان
تحتفل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بأحد التناصير، وهو الأحد السابق لأحد السعف (الشعانين)، وفيه يُقرأ إنجيل شفاء المولود أعمى (يوحنا 9)، لما يحمله من ارتباط عميق بسرّ المعمودية، إذ يشير إلى الاستنارة الروحية التي ينالها الإنسان.
شفاء المولود أعمى
نعلم أن معجزات السيد المسيح التي صنعها أثناء وجوده على الأرض لم تكن مجرد أعمال رحمة، بل كانت تحمل في داخلها معاني روحية عميقة، وتشير إلى عمله الخلاصي في حياتنا. ومعجزة شفاء المولود أعمى – التي وردت في الأصحاح التاسع من إنجيل يوحنا – حيث خلق الرب يسوع البصر من الطين، تشير إلى أنه يفتح عيوننا الداخلية ويمنحنا بصيرة جديدة، فنرى العالم والناس والله بشكل لم نكن نراه من قبل.
يقول السيد المسيح: «أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ» (يوحنا 8: 12)، ويؤكد أيضًا: «مَا دُمْتُ فِي الْعَالَمِ فَأَنَا نُورُ الْعَالَمِ» (يوحنا 9: 5). وقد برهن على ذلك عمليًا حين أعطى نورًا لإنسان وُلد أعمى، وهو لا يزال يمنح هذا النور لكل إنسان أعمته الخطية وفقد البصر والبصيرة.
وعندما سأل التلاميذ عن سبب عمى هذا الإنسان: من أخطأ، أهو أم أبواه؟ أجابهم السيد المسيح: «لاَ هذَا أَخْطَأَ وَلاَ أَبَوَاهُ، لَكِنْ لِتَظْهَرَ أَعْمَالُ اللهِ فِيهِ» (يوحنا 9: 3). وهي إجابة نحتاج أن نسمعها كثيرًا، خاصة عندما نميل إلى إدانة كل متألم. فليس كل ألم نتيجة خطية شخصية، بل قد يسمح الله بآلام لتنقية الإنسان أو ليُظهر مجده فيه ويقوده إلى شركة أعمق معه.
لقد دخل الألم إلى العالم نتيجة الخطية، وصارت نتائجه تشمل الجميع، دون تمييز بين مؤمن وغير مؤمن. ولو كان الله يعفي المؤمنين من الألم، لصار الإيمان هروبًا من المعاناة لا اختيارًا حرًا. لكن الله قادر أن يتمجد حتى في الألم، كما تمجّد في شفاء هذا الإنسان الذي يمثل كل إنسان وُلد في الخطية.
فنحن، رغم أن عيوننا الجسدية مفتوحة، كثيرًا ما لا نرى ما وراء المنظور، ولا ندرك حضور الله ومحبته في حياتنا، وهذا هو العمى الروحي. لكن الله قادر أن يفتح بصيرتنا، كما فتح عيني هذا الأعمى.
اقترب السيد المسيح من المولود أعمى، وتفل على الأرض وصنع من التفل طينًا وطلى به عينيه. وما أعجب هذه الوسيلة! فالطين لو وُضع في عين مبصرة لأعماها، لكنه في يد المسيح صار وسيلة للإبصار. وهكذا كل وسيلة في يد الإنسان قد تضر، أما في يد المسيح فتصير أداة للخير. بل حتى التجارب والضيقات يستطيع أن يحوّلها إلى بركة.
كما أن استخدام الطين يشير إلى إعادة الخلق، إذ أن الله خلق الإنسان من تراب في البدء، وهنا يعيد خلق عيني هذا الإنسان، معلنًا أنه هو الخالق نفسه.
ولم يكن الطين هو الذي أعطى البصر، بل المسيح. وهكذا كل خادم أو واعظ ليس إلا أداة في يد الله. لذلك يجب أن نحذر من أن ننسب لأنفسنا ثمر الخدمة، فالله وحده هو الذي يمنح الحياة والنور.
ثم قال المسيح للأعمى: «اذْهَبِ اغْتَسِلْ فِي بِرْكَةِ سِلْوَامَ» (يوحنا 9: 7). وكان يمكن لهذا الإنسان أن يتذمر أو يعترض، لكنه أطاع، فكان في طاعته الشفاء. وهكذا نفقد نحن كثيرًا من البركات حين نجادل الله أو نشك أو نرفض الطاعة، لأن طريق البركة هو طريق الخضوع لإرادته حتى إن لم نفهم.
وقد استخدم السيد المسيح وسائل مختلفة في شفاء العميان، فشفى برتيماوس بكلمة، بينما شفى هذا الإنسان بالطين والاغتسال، ليعلن أنه يتعامل مع كل إنسان بطريقة خاصة تناسبه، لذلك لا ينبغي أن نقارن أو نشكك في عمل الله بسبب اختلاف الوسائل.
وإذا تأملنا هذا الإنسان نجد أنه لم ينل فقط شفاء جسديًا، بل تدرّج في معرفة المسيح. في البداية قال: «إِنْسَانٌ يُقَالُ لَهُ يَسُوعُ»، ثم قال إنه نبي، ثم أعلن أنه من الله، وأخيرًا آمن به كابن الله وسجد له. وهذا هو النمو الروحي الحقيقي، أن ننتقل من معرفة بسيطة إلى إيمان حي وشركة عميقة.
وبعد شفائه، تعرّض للرفض والطرد، لكن الكتاب يقول: «فَسَمِعَ يَسُوعُ أَنَّهُمْ أَخْرَجُوهُ خَارِجًا، فَوَجَدَهُ». فالله لا يترك من يتألم من أجله، بل يقترب إليه ويعزيه ويدخله في شركة أعمق معه.
وفي ختام الحديث، قال السيد المسيح: «لِدَيْنُونَةٍ أَتَيْتُ أَنَا إِلَى هذَا الْعَالَمِ، حَتَّى يُبْصِرَ الَّذِينَ لاَ يُبْصِرُونَ، وَيَعْمَى الَّذِينَ يُبْصِرُونَ» (يوحنا 9: 39). فهو لم يأتِ ليدين، بل ليخلّص، لكن موقف الإنسان منه هو الذي يحدد مصيره: فمن يقبله ينال النور، ومن يرفضه يبقى في الظلمة.
فلنأتِ إليه معترفين بضعفنا، طالبين منه أن يهبنا بصيرة روحية وحياة جديدة، وأن ننمو يومًا بعد يوم في معرفته، حتى نسجد له من قلوبنا قائلين: «رَبِّي وَإِلَهِي».
كل عام وأنتم بخير.
……………………………………………………………………………………..

كاتب المقال: كاهن كنيسة الشهيد العظيم مارجرجس بالمطرية – القاهرة.

اقرأ أيضا:

القس بولا فؤاد رياض يكتب: أكثر شعب متدين

زر الذهاب إلى الأعلى