القس بولا فؤاد رياض يكتب: أكثر شعب متدين

بيان
أجمع كثيرون على أن شعبنا من أعرق الشعوب وأكثرها تدينًا. فماضينا يشهد بذلك، ويكفينا ما ذكره المؤرخ جيمس هنري بريستد في كتابه الشهير «فجر الضمير».

أما حاضرنا فيؤكد هذا الأمر، بل يعلن أن جيلنا الحالي – بكل طوائفه – يعيش حالة من الصحوة الدينية الكبيرة، ربما لم يعشها آباؤنا ولا أجدادنا على الرغم من عمق تدينهم.
ويكفي للتدليل على ذلك نظرة سريعة إلى مظاهر حياتنا اليومية: في مظهرنا، ولغتنا، وأنشطتنا، وحتى في نغمات هواتفنا ووسائل إعلامنا، بل في تفاصيل يومنا كله.

وقد أشار معهد جالوب لاستطلاعات الرأي إلى أن شعبنا يأتي في المرتبة الأولى عالميًا في التدين بنسبة تقترب من 100%. وهكذا يؤكد بريستد في الماضي، وجالوب في الحاضر، أن التدين يمثل سمة واضحة في حياتنا.

تدهور أخلاقي مرعب

وعلى الجانب الآخر، لا يختلف اثنان على أننا نعيش اليوم حالة من التدهور الأخلاقي المقلق، لم نشهد لها مثيلًا من قبل. فقد طال هذا التدهور كثيرًا من أوجه حياتنا ومعاملاتنا، وامتد إلى دوائر عديدة في المجتمع.
فنحن نرى انتشارًا لظواهر مقلقة مثل البحث الواسع عن المواد الإباحية على شبكة الإنترنت، وانتشار الرشوة، ووقوع جرائم الاغتصاب والتحرش، وارتفاع معدلات الطلاق داخل البيوت، فضلًا عن حوادث القتل المؤلمة التي تهدر قيمة الحياة الإنسانية وتدوس بالأقدام على كثير من المعاني النبيلة.
كما تزداد مشاهد العنف والمخدرات والبذاءات التي تتسلل حتى عبر بعض وسائل الإعلام، الأمر الذي يضعنا أمام تناقض محيّر:
كيف لم يهذب تديننا أخلاقنا؟ وكيف لم ترتق بنا هذه الصحوة الدينية، أو حتى تحفظ لنا الموروث الأخلاقي الراقي الذي عاش به آباؤنا في الماضي القريب؟.

التدين الشكلي (التدين المريض)

إن أحد أسباب هذا التناقض هو ما يمكن أن نطلق عليه التدين الشكلي أو التدين المريض.
فهو تدين غير سليم، لا يقود إلى تغيير حقيقي في حياة الإنسان، بل قد يتحول إلى عثرة للآخرين، وينتهي بخسارة الإنسان لسلامه الداخلي وحياته الروحية.

صور التدين المريض

1- العلاقة المشوهة بالله
حين يُصوَّر الله وكأنه سيد متسلط يفرض الأوامر والنواهي فقط، ويُختزل الإنسان في مجرد عبد خائف يسعى لإرضائه.
بينما العلاقة الحقيقية بالله هي علاقة محبة وقرب، فالله ليس بعيدًا عنا ولا تفصلنا عنه فجوة مرعبة.
2- التدين الأجوف
وهو الذي يربط الإنسان بالممارسات الدينية مثل الصوم والصلاة دون أن يقوده إلى ارتباط حي بالله نفسه.
3- الشعور بالأفضلية على الآخرين
وهو شعور مرضي يجعل الإنسان يرى نفسه أفضل من غيره، وينشغل بانتقاد أخطاء الآخرين بدلًا من أن ينتبه إلى أخطائه، كما قال السيد المسيح:
«يَا مُرَائِي، أَخْرِجْ أَوَّلًا الْخَشَبَةَ مِنْ عَيْنِكَ، وَحِينَئِذٍ تُبْصِرُ جَيِّدًا أَنْ تُخْرِجَ الْقَذَى مِنْ عَيْنِ أَخِيكَ».
4- السطحية وعدم وضوح الهدف
حيث يمارس الإنسان العبادة دون عمق أو فهم حقيقي لمعناها وغايتها.

سمات العبادة الشكلية

تتسم العبادة الشكلية بثلاث سمات رئيسية:
الرياء
الكبرياء
الحرفية الجافة في تطبيق النصوص دون روحها
ولذلك ينبغي الحذر من الازدواجية في الحياة، وألا يكون الإنسان ذا وجهين. كما يجب التمييز بين الاتكال على الله الذي هو إيمان وثقة، والتواكل الذي هو كسل وهروب من المسؤولية.

العلاج

علاج التدين المريض يبدأ بـ:
وضوح الهدف من الحياة الروحية
الاستنارة الداخلية
إخلاص القلب والرجوع إلى الداخل لمراجعة النفس
فنصلي أن تكون عبادتنا مرضية أمام الله، لا مجرد مظهر أمام الناس، حتى ينصلح حالنا ونعود إلى القيم والمبادئ الأخلاقية التي تظهر في السلوك والحياة، كما يقول الكتاب المقدس:
«تَغَيَّرُوا عَنْ شَكْلِكُمْ بِتَجْدِيدِ أَذْهَانِكُمْ».
……………………………………………………………………………………..
كاتب المقال: كاهن كنيسة الشهيد العظيم مار جرجس بالمطرية – القاهرة

طالع المزيد:

القس بولا فؤاد رياض يكتب: فلما أنفق كلَّ شيء

زر الذهاب إلى الأعلى