سعيد السعيطي: قناة السويس اختبار حقيقي لإدارة المخاطر الاستراتيجية

كتب- محمد محمود
أكد الدكتور سعيد السعيطي، خبير الإدارة الاستراتيجية والتميز التشغيلي، أن قناة السويس لم تعد مجرد ممر ملاحي عالمي يربط بين الشرق والغرب، بل أصبحت اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة المصرية على إدارة المخاطر الاستراتيجية في عالم تتسارع فيه الأزمات وتتداخل فيه الضغوط الاقتصادية مع التوترات الجيوسياسية.
وأوضح السعيطي أن ما شهدته حركة التجارة العالمية خلال السنوات الأخيرة، بداية من جائحة كورونا، مرورًا باضطرابات سلاسل الإمداد، ووصولًا إلى التوترات المتصاعدة في البحر الأحمر، أثبت أن الممرات الدولية لم تعد تُدار فقط بمنطق التشغيل التقليدي، وإنما أصبحت تحتاج إلى قدر أكبر من المرونة وسرعة الاستجابة والقدرة على حماية المصالح الوطنية في بيئة شديدة التقلب.
وأضاف أن قناة السويس لم تعد تُقاس أهميتها فقط بحجم الإيرادات أو رسوم العبور، بل بما تمثله من قيمة استراتيجية ترتبط بالأمن الاقتصادي المصري، ومكانة الدولة في حركة التجارة العالمية، وقدرتها على الحفاظ على دورها كمركز لوجستي محوري في منطقة تتغير موازينها بسرعة.
وأشار خبير الإدارة الاستراتيجية إلى أن التحدي الحقيقي في المرحلة الحالية لا يتمثل فقط في الحفاظ على انتظام الملاحة واستمرار حركة العبور، وإنما في إدارة القناة ضمن رؤية أشمل تقوم على تنويع مصادر العائد، وتوسيع نطاق الخدمات المرتبطة بها، وتعظيم القيمة المضافة التي يمكن أن تحققها المنطقة المحيطة بها، سواء من خلال الخدمات اللوجستية أو الأنشطة الصناعية أو التكامل مع الموانئ وسلاسل الإمداد.
وأكد السعيطي أن المنافسة لم تعد تقتصر على الممرات البديلة في بعدها الجغرافي فقط، بل امتدت أيضًا إلى مستوى الجاهزية التشغيلية، وكفاءة الخدمات، والقدرة على طمأنة الأسواق العالمية بأن قناة السويس ستظل ممرًا يتمتع بالاستقرار والاعتمادية والمرونة في مواجهة الصدمات، لافتًا إلى أن مفهوم “التميز التشغيلي” لم يعد مجرد مفهوم إداري داخل الشركات، بل أصبح عنصرًا أساسيًا في إدارة الأصول الوطنية الكبرى.
وتابع أن الحفاظ على المكانة التاريخية لقناة السويس يظل أمرًا مهمًا، لكنه لم يعد كافيًا وحده في ظل عالم يعيد ترتيب أولوياته التجارية باستمرار، ويشهد تغيرات متلاحقة في حسابات شركات الملاحة من حيث المخاطر والتكلفة والوقت، وهو ما يفرض استمرار تطوير البنية التحتية، ورفع كفاءة التشغيل، والاستثمار في التكنولوجيا، وتعزيز جاهزية الكوادر البشرية، إلى جانب تبني سياسات أكثر مرونة في التعامل مع المتغيرات الدولية.
وشدد السعيطي على أن المطلوب في المرحلة المقبلة لا يقتصر على الدفاع عن أهمية القناة، بل يمتد إلى تعظيم الاستفادة منها كمحور اقتصادي متكامل يربط بين الملاحة والصناعة والخدمات والاستثمار، بما يجعلها جزءًا من استراتيجية أوسع لتعزيز قدرة الاقتصاد المصري على الصمود والنمو في آن واحد.
واختتم الدكتور سعيد السعيطي تصريحاته بالتأكيد على أن قناة السويس ستظل واحدة من أهم الأصول الاستراتيجية لمصر، لكن القيمة الحقيقية لهذا الأصل لا تُقاس فقط بعدد السفن العابرة أو بحجم الإيرادات المحققة، بل بقدرة الدولة على إدارته بعقلية استباقية تحول التحديات إلى فرص، وتحافظ على موقع مصر في قلب التجارة العالمية، لا بوصفها نقطة عبور فحسب، بل باعتبارها شريكًا مؤثرًا في تشكيل خريطة الحركة الاقتصادية في المنطقة.





