محمد سليمان يكتب: السيطرة على «الطيف الكهرومغناطيسي».. المعركة التي لا يراها أحد

بيان

 في عالمنا المعاصر، تتحرك حولنا موجات غير مرئية، تحمل الطاقة والإشارات والمعلومات عبر الفضاء، دون أن نلحظ وجودها. ويُعرف هذا المجال باسم “الطيف الكهرومغناطيسي”، وهو الامتداد الذي يضم كل شيء من موجات الراديو والاتصالات إلى الأشعة السينية وأشعة جاما، والذي تحول اليوم إلى أحد أهم ميادين المنافسة والصراع العسكري.

فعندما يتابع الناس أخبار الحروب، غالباً ما تتركز الأنظار على الصواريخ والطائرات والدبابات والانفجارات. إلا أن هناك جانب مهم في هذا النمط من الحروب الحديثة أصبح يجري بعيداً عن الصورة التقليدية للمعركة. فقبل إطلاق النار أو تحريك القوات، تدور مواجهة أخرى تستهدف أنظمة الرصد والاتصال والملاحة والتحكم، وهي جميعها تعتمد بصورة أو بأخرى على الطيف الكهرومغناطيسي.

ولفهم أهمية هذا المجال، يمكن تشبيه الجيوش الحديثة بجسم حي يعتمد على شبكة من الحواس والأعصاب. فالرادارات والأقمار الاصطناعية تؤدي دور العين التي تكتشف الأهداف، وأنظمة الاتصالات كالأذن تنقل الأوامر والمعلومات. وتعتمد هذه المنظومات مجتمعة على استخدام ما تم ذكره سلفًا؛ ألا وهو الطيف الكهرومغناطيسي. ولذلك، فإن تعطيل هذه الشبكات أو التشويش عليها قد يؤدي إلى إرباك القدرة القتالية حتى من دون أي التحام مباشر مع القوات المعادية.

لهذا السبب، حرصت جيوش عِدة خلال السنوات الماضية على تطوير قدرات نوعية في مجالات الحرب الإلكترونية والسيطرة على الطيف الكهرومغناطيسي، وفي مقدمتها الجيش الإسرائيلي، ولا سيما وحدة الطيف الكهرومغناطيسي التابعة للكتيبة 5114. حيث تشمل هذه القدرات تطوير أنظمة قادرة على رصد الإشارات الإلكترونية، واعتراض الاتصالات، والتشويش على الرادارات، وحماية الشبكات العسكرية من الاختراق أو التعطيل. وبمرور الوقت، أصبحت هذه الأدوات جزءًا أساسيًا من العقيدة العسكرية لدى بعض الجيوش.

وفي هذا السياق، تبرز واقعة تُظهر أهمية هذا المجال الحيوي؛ إذ أشارت تقارير إسرائيلية أن إحدى تنظيمات المقاومة حاولت في وقت سابق توجيه صاروخ نحو قوات إسرائيلية، إلا أنها لم تتمكن من إطلاقه. إذ تبيّن لاحقًا أن أنظمة الرصد والاتصال المرتبطة بمنظومة الإطلاق كانت قد تعرضت للتعطيل والتشويش، في إطار عملية إسرائيلية اعتمدت على اعتراض الإشارات والسيطرة على المجال الكهرومغناطيسي المحيط بنظام الإطلاق.

ومؤخرًا، برز هذا البُعد بوضوح خلال الحرب ضد إيران، حيث لم تقتصر العمليات على الضربات التقليدية، بل سبقتها ورافقتها عمليات واسعة في المجال الكهرومغناطيسي، بعدما أدّت طائرات الحرب الإلكترونية الأمريكية من طراز EA-18G Growler دورًا محوريًا، باعتبارها أداة متقدمة لرصد الإشارات، والتشويش على الرادارات، وإرباك شبكات الاتصال والتحكم.

ولم يتوقف الأمر عند الجانب العسكري المباشر، إذ كشفت تقارير تعرض البنية الرقمية والإعلامية الإيرانية لضغوط واضحة عقب الضربات، شملت تباطؤًا حادًا في خدمات الإنترنت، بالإضافة إلى تعطل بعض المحطات التلفزيونية. كما برزت مؤشرات على استخدام تطبيقات مدنية في إطار رسائل نفسية موجهة إلى الداخل الإيراني، حيث تحول تطبيق “بادي صبا” (BadeSaba)، وهو مجرد تطبيق تقويم ديني بسيط، إلى أداة حرب نفسية متقدمة. فالملايين من الإيرانيين فتحوا التطبيق فوجدوا رسالة تقول: “لقد وصلت المساعدة. لا تخافوا”، مما يعكس اتساع مفهوم المعركة الحديثة من استهداف المنظومات العسكرية إلى التأثير في المجالين الرقمي والمعنوي في آنٍ واحد.

وصحيح أن إيران لم تكن خارج المعادلة، إلا أن الفارق التقني كان يميل بوضوح إلى إسرائيل. ومع ذلك، فإن كل الوقائع التي ذكرت سلفًا، على أهميتها واختلاف أنماطها في الوقت ذاته، ليست سوى الوجه الظاهر من تحوّل أعمق في طبيعة الصراع. فالمسألة لم تعد محصورة في التشويش على رادار، أو تعطيل اتصال، أو إرباك نظام ملاحة، بل باتت ترتبط بالطريقة التي تُدار بها البيئة الكهرومغناطيسية نفسها. ومن هنا، بات يكتسب هذا المجال أهمية خاصة، لا سيما مع دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحليل الإشارات والأنماط الكهرومغناطيسية. فبدلًا من التعامل مع الإشارات بوصفها بيانات منفصلة، أصبحت الأنظمة الحديثة قادرة على تحليل كميات هائلة منها، والتعرّف على الأنماط الطبيعية وغير الطبيعية، ورصد التغيرات التي قد تشير إلى تهديد محتمل أو نشاط عسكري وشيك.

وهنا تبرز الخلاصة الأوسع؛ أن الحروب الحديثة لم تعد تُحسم بالقوة النارية وحدها، بل بقدرة الدول على الرؤية والاتصال والتوجيه والتشويش في اللحظة المناسبة. وبينما يتصاعد الحديث اليوم عن الذكاء الاصطناعي والتقنيات المستقبلية، يظل الطيف الكهرومغناطيسي أحد المفاتيح الأساسية لفهم موازين القوة الجديدة، وربما يكون هذا هو التطور الأهم الذي ينبغي الانتباه له اليوم.

طالع المزيد:

محمد السيد محمد يكتب: «عُقدة كوهين» أم «عُقدة مصر» ؟! 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى