تحول تاريخي في الكنيسة «الأنجليكانية» الأم.. انحازت لوثيقة «كايروس فلسطين»

مصادر – موقع بيان الإخبارى

من قلب مدينة «يورك» التاريخية، حيث يعقد المجمع العام لكنيسة إنجلترا اجتماعاته الرسمية، خرج صوت كنسي بريطاني غير مسبوق ليعيد رسم خارطة الموقف الأخلاقي والسياسي للمؤسسة الدينية الرسمية في المملكة المتحدة تجاه القضية الفلسطينية.

ولم يكن تصويت المجمع بأغلبية ساحقة لصالح التضامن مع الشعب الفلسطيني مجرد بيان تعاطف عابر، بل تدشيناً لقطيعة تاريخية مع عقود من الحذر والتحفظ، واستجابة صريحة لوثيقة «كايروس فلسطين» في نسختها الثانية.

تحوّل تاريخي في «وثيقة كايروس»

وتعود جذور هذا التحول إلى عام 2009 في بيت لحم، تحت اسم «كايروس» (وهي كلمة يونانية تعني “اللحظة الحاسمة”)، لتأتى هذه الوثيقة كصرخة مسيحية فلسطينية موجهة إلى العالم لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي بالوسائل السلمية.

غير أن محطة الانعطاف الكبرى تجسدت في الوثيقة الثانية الصادرة تحت عنوان: «لحظة الحقيقة: الإيمان في زمن الإبادة الجماعية»، والتي جاءت رداً على التدمير الشامل في قطاع غزة والتطهير العرقي المتصاعد في الضفة الغربية.

وقد فتحت كنيسة الملك تشارلز الثالث أبوابها لتبني هذه الوثيقة، لتعلن صراحة نقدها المباشر لما يُعرف بـ «الصهيونية المسيحية»، واصفة إياها بـ “لاهوت ناتج عن العنصرية والاستعمار والتفوق العرقي”، وهو ما شكل اختراقاً لاهوتياً غير مسبوق داخل الكنائس الغربية.

«أنا قسيسة ولست سياسية»

لم يأتِ هذا التحول من فراغ أكاديمي، بل كان وليد معاينة ميدانية صلبة قادتها رئيسة الأساقفة، سارة مولالي.

فمن داخل كنيسة القديس بطرس بمدينة بيرزيت الفلسطينية، أطلقت مولالي موقفاً هز الأروقة السياسية حين قالت: «أنا قسيسة ولست سياسية. عندما أقول إنَّ الشعب الفلسطيني يستحق حريته، فهذا ليس بياناً سياسياً، بل بيان أخلاقي وروحي… فلسطين التي اعترفت بها الحكومة البريطانية تتلاشى».

رئيسة الأساقفة، التي تنقلت بين أزقة الضفة الغربية ورأت خنق شبكة نقاط التفتيش، والتقت بعائلات تصارع مصادرة أراضيها منذ عام 1991 وتواجه اعتداءات المستوطنين اليومية، نقلت شهادة حيّة عن أسر بلا مأوى وأطفال يعيشون تحت صدمات حرب الإبادة في غزة.

هذه المعاينة المباشرة دفعتها إلى التأكيد على أن المعاناة المستمرة يجب أن تتوقف فوراً، وأن المجتمع الدولي يتحمل مسؤولية أخلاقية وسياسية عن هذا الاستنزاف.

سلاح الاستثمار ورأي «العدل الدولية»

أحد أخطر المخرجات العملية التي حملها البيان والتصويت الكنسي الأخير، تمثل في الانتقال من التنديد الكلامي إلى أدوات الضغط الاقتصادي والمالي.

فقد حث المجمع العام المستثمرين الإنجليكان على مراجعة وتصفية استثماراتهم المتصلة بالمنظومة الإسرائيلية، مستندين في ذلك بشكل مباشر إلى الرأي الاستشاري التاريخي الصادر عن محكمة العدل الدولية بشأن عدم شرعية الاحتلال للأراضي الفلسطينية.

هذا التوجه يمنح حركة سحب الاستثمارات غطاءً أخلاقياً وقانونياً رفيع المستوى، يصعب معه استخدام الورقة التقليدية المتمثلة في اتهام المعترضين بـ “معاداة السامية”؛ إذ تمتلك الكنيسة الإنجليكانية سجلاً تاريخياً صريحاً في مناهضة الكراهية ضد اليهود في أوروبا، مما يعطي موقفها حصانة تاريخية وقانونية صلبة.
مفارقة التاريخ: من «وعد بلفور» إلى الانحياز للعدالة

يحمل الموقف الإنجليكاني في طياته مفارقة تاريخية ذات دلالة عميقة؛ فالدولة التي شهدت صدور «وعد بلفور» المشؤوم عام 1917، تتصدى كنيستها الرسمية اليوم للمظلومية التاريخية للشعب الفلسطيني من أوسع الأبواب.

إن هذا التحول يشير إلى مسارين رئيسيين كالتالى:

أولا: سقوط التابوهات

تحرير الخطاب الديني والإنساني في بريطانيا من خشية الابتزاز السياسي بتهم الملاحقة والاتهام الجاهز بمعاداة السامية.

ثانيا: استعادة الصوت المسيحي المشرقي

العودة للاستماع المباشر إلى المسيحيين الفلسطينيين كمكون أصيل ومستهدف بالتهجير والتضييق، بعد عقود من التهميش والتغييب العمدي.

يمثل الموقف الأخير لكنيسة إنجلترا مكسباً استراتيجياً للقضية الفلسطينية في أحد أهم مراكز القرار الأخلاقي والديني في الغرب؛ وهو مربع نفوذ جديد يفرض على الدبلوماسية العربية والإسلامية، والمؤسسات المشتغلة بالحق الفلسطيني، ضرورة البناء عليه وتعميقه لضمان تحويل هذا الموقف اللاهوتي والأخلاقي إلى أدوات ضغط سياسي واقتصادي حاسمة على الأرض.

طالع المزيد: تفكيك الأديان: كتاب يكشف مخططات اختراق الإسلام والمسيحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى