العلم يحسم الجدل حول أصول المصريين

كتب: ياسين عبد العزيز
أعادت دراسات علمية حديثة فتح النقاش حول أصول المصريين الحاليين وعلاقتهم بالمصريين القدماء، بعد انتشار مزاعم على مواقع التواصل الاجتماعي ادعت أن سكان مصر المعاصرين لا تربطهم صلة بالمصريين القدماء، وأنهم جاءوا إلى البلاد في عصور لاحقة، كما تضمنت تلك الادعاءات أن المصريين عاشوا لقرون وسط المعابد والآثار دون معرفة بحضارتهم، وأن البعثات الأوروبية كانت أول من عرّفهم بتاريخهم بعد فك رموز حجر رشيد.
الوشق المصري قاهر جنود الاحتلال.. خصائص مفترسة وعلاقة قوية بالقدماء المصريين
وأكدت المراجع العلمية والدراسات الجينية المتخصصة أن هذه الروايات لا تتوافق مع ما توصل إليه الباحثون خلال السنوات الأخيرة، إذ تشير نتائج الأبحاث إلى وجود استمرارية سكانية وجينية بين المصريين القدماء والمصريين الحاليين، مع حدوث تغيرات طبيعية نتيجة الهجرات والتداخل السكاني الذي شهدته مصر عبر آلاف السنين.
وأوضحت دراسة نُشرت في مجلة Nature Communications عام 2017 أن فريقًا دوليًا أجرى تحليلات للحمض النووي الخاص بعدد من المومياوات المصرية المكتشفة في منطقة أبو صير بمصر الوسطى، والتي تعود إلى فترات تبدأ من الدولة الحديثة وتمتد حتى العصر الروماني، حيث أظهرت النتائج عدم وجود ما ينفي الاستمرارية الجينية بين سكان مصر القدماء والمصريين المعاصرين.
وأضافت الدراسة أن المصريين الحاليين يحملون مكونات وراثية ترتبط بالمصريين القدماء، إلى جانب مكونات أخرى دخلت البلاد خلال فترات تاريخية مختلفة نتيجة حركة السكان، كما سجل الباحثون زيادة في بعض المكونات ذات الأصول الأفريقية جنوب الصحراء، وهو ما يرجع إلى اختلاطات سكانية حدثت في عصور أحدث.
وأعلنت دراسة أخرى نُشرت في مجلة Nature خلال يوليو 2025 نجاح العلماء في قراءة أول جينوم كامل لمصري قديم عاش قبل نحو 4500 إلى 4800 عام، خلال الفترة الواقعة بين نهاية عصر الأسرات المبكر وبداية الدولة القديمة، وهو ما وفر بيانات جديدة حول التكوين الوراثي لسكان مصر في تلك المرحلة.
وأظهرت نتائج الدراسة أن أغلب الأصول الجينية لذلك الفرد ترتبط بسكان شمال أفريقيا خلال العصر الحجري الحديث، بينما تعود نسبة تقارب 20% إلى مجموعات سكانية عاشت في منطقة الهلال الخصيب وبلاد الرافدين، كما كشفت المقارنات مع المصريين الحاليين عن وجود مكونات وراثية مشتركة تؤكد استمرار الامتداد السكاني عبر العصور.
وأكد الباحثون أن هذه النتائج تدعم فكرة الاستمرارية السكانية داخل مصر، مع وجود تغيرات طبيعية صاحبت انتقال السكان عبر آلاف السنين، وهو ما يتعارض مع الادعاءات التي تتحدث عن اختفاء المصريين القدماء بالكامل واستبدالهم بشعب آخر لا يرتبط بهم.
وتناولت الدراسات كذلك المزاعم المتعلقة بعدم معرفة المصريين بحضارتهم قبل وصول الأوروبيين، موضحة أن فقدان القدرة على قراءة الكتابة الهيروغليفية خلال فترات من التاريخ لا يعني غياب المعرفة بالآثار أو تجاهلها، إذ ظلت المعابد والأهرامات معروفة ومحل اهتمام عبر قرون طويلة.
وأشارت مراجع متخصصة إلى وجود محاولات قام بها علماء عرب منذ القرن العاشر الميلادي لفهم الكتابات المصرية القديمة، كما تناول Oxford Handbook of Egyptian Epigraphy and Paleography عددًا من المخطوطات العربية التي ناقشت الهيروغليفية بين القرنين العاشر والسادس عشر، واحتفظ بعضها بتفسيرات صحيحة أو قريبة من الصحيح لعدد من الرموز المصرية القديمة.
وأكد المتحف البريطاني أيضًا أن اهتمام العلماء العرب بالكتابات المصرية سبق المحاولات الأوروبية بقرون، حيث حاول عدد منهم الاستعانة باللغة العربية واللغة القبطية لفهم الرموز والنقوش، ورغم أن كثيرًا من تلك المحاولات لم يصل إلى القراءة الكاملة للنصوص، فإنها تؤكد استمرار الاهتمام بالحضارة المصرية قبل العصر الحديث.
وأوضح الباحثون أن اكتشاف حجر رشيد عام 1799 مثل نقطة تحول في فك رموز اللغة المصرية القديمة، بعدما وفر نصًا مكتوبًا بالهيروغليفية والديموطيقية واليونانية، وهو ما ساعد العلماء على المقارنة بين النصوص، قبل أن يعلن جان فرانسوا شامبليون عام 1822 النتائج الأساسية التي مهدت لقراءة الهيروغليفية بصورة علمية.
وأشار المتخصصون إلى أن أهمية حجر رشيد تكمن في استعادة القدرة على قراءة النصوص المصرية القديمة، وليس في تعريف المصريين بحضارتهم أو آثارهم، إذ كانت المعابد والأهرامات معروفة عبر العصور، وكتب عنها مؤرخون ورحالة وعلماء من ثقافات مختلفة قبل ظهور علم المصريات الحديث.





