شبراوى خاطر يكتب: دور العلاقات العامة في التعامل مع قضايا الأجيال الجديدة
بيان
بينما يعلو صوت بعض خبراء وممارسي العلاقات العامة في الغرب للمناداة بضرورة مواكبة المهنة لمتطلبات وتفضيلات الأجيال الجديدة لاستهلاك الأخبار والمعلومات والبيانات، وكما قالت “أيليت نوف” Ayelet Noff الرئيسة التنفيذية ومؤسسة شركة SlicedBrand، إحدى وكالات العلاقات العامة الرائدة عالمياً في مجال التكنولوجيا: ” نحن على وشك فقدان هؤلاء “الرّواد الجدد” إلى الأبد: وإن لم نواكبهم، ستصبح العلاقات العامة بلا مستقبل”.
وتضيف: “مع التحوّلات المتسارعة في السلوك الرقمي، حوّلت عادات الجيل الشاب وسائل التواصل الاجتماعي إلى فضاء تهيمن عليه ثقافة “فكاهة العفن الدماغي” و”عصر الريز (عصر الجاذبية)”، حيث تتغير أساليب سرد القصص وتلقيها بشكل جذري.
وعلى الرغم من بقاء الإعلام التقليدي، إلا أن الصحفيين الشباب قد سبقوا الجميع بإعادة تشكيل مشهد الأخبار واستهلاكها.” هذا التحوّل ليس مجرّد انتقالٍ بين المنصات، بل هو ثورةٌ في الثقافة الإعلامية ذاتها. فتقاعس العلاقات العامة عن التطوّر وفهم مقوّمات المحتوى الجاذب (رِيز) للشباب، يهدّد بفقدان أهميتها تماماً مثل منصّات الإعلام التي يهجرها الصحفيون يوماً بعد يوم.
وتؤكد “نوف”: “بينما يبتعد الجيل الشاب وجمهوره عن الإعلام التقليدي نحو قنوات تُقدّم الصدق الخام والشفافية المطلقة.
الناس يريدون سماع الحقيقة، مهما كانت مُرّة. وبما أنّ خبراء العلاقات العامة يتابعون الأخبار والاتجاهات باستمرار، يجب عليهم تتبّع مسار الأحداث لمعرفة إلى أين سيقودنا هذا النزوح الجماعي. مسؤوليتنا هي استكشاف الفرص الجديدة على المنصّات الناشئة قبل غيرنا.
وتنصحنا “نوف” قائلة: “إن ربط المحتوى بالثقافة الشعبية والاتجاهات الاجتماعية السائدة ليس رفاهية، بل ضرورة. إذ لطالما اندمجت العلاقات العامة في دورة الأخبار من خلال الاستفادة من السياق الثقافي، وهذا لن يتغير قريباً.
وبعض أقوى حملات العلاقات العامة هي تلك التي تتموضع في قلب الأحداث الثقافية، وتركب موجة تيك توك فور انتشارها، وتواكب الحركات الاجتماعية في ذروتها، وتحوّل الأخبار الجافة إلى سردٍ مشوّق سواءً كانت تتمحور حول أخبار الثقافة الشعبية، أو حركة سياسية أو اجتماعية.
هذه الاتجاهات عابرة، لذا لا يقتصر الأمر على رصدها فحسب، بل يتطلب تفاعلاً سريعاً يتناسب مع تسارع وتيرة الأخبار، وعلى العلاقات العامة مواكبة ذلك. السرعة في التفاعل (وليس فقط الرصد) هي ما يصنع الفارق.
ولعلنا في مصر نتذكر “قصة الونش الضئيل قياساً بحجم سفينة الحاويات الضخمة التي شحطت في مدخل قناة السويس” وكيف تحول الأمر من موقف التهكم والسخرية لتصبح من أكثر القصص إلهاماً خلال السنوات الأخيرة.
وإننا لم نكد ننسى القصة وتأثيرها، حتى أصابتنا الدهشة المفرطة من القرار اللحظي السريع لسائق التريللا التي سارع إلى مساندة سيارة نقل أخرى انفجرت عجلاتها الخلفية وأنقذها قبل انقلابها على طريق يعج بالسيارات المسرعة لتفادي كارثة إنسانية، وفي لحظة فارقة أصبح سائق التريللا محور اهتمام وسائل الإعلام التقليدية والرقمية حتى أن أحد الشركات استغلت الصورة لإيصال رسالة خاصة لعملائها عبر السوشيال ميديا، وأصبح لدينا تريند تحت عنوان “يا مصر بتعمليها إزاي”.
وتشير “نوف” أنه من الملاحظ تفضيل الصحفيين في العصر الرقمي لاستهلاك المعلومات بنفس الطريقة التي يفعلها جمهورهم من الشباب – على شكل كبسولات صغيرة سهلة البلع. فالوثيقة الواقعية لا تعني بالضرورة أنها يجب أن تكون دقيقة تماماً وخالية من المتعة.
مما يضطر ممارسي العلاقات العامة الاحترافية لتقديم لمحات إخبارية جذابة تلفت انتباه الصحفيين بسرعة. ويجب أن تساعد هذه اللمحات المراسلين على تصوّر عنوان مقالتهم وكيفية صياغة موضوعهم.
وبذلك، على محترفي العلاقات العامة أن يعتمدوا محتوى سريعاً وجذاباً على غرار تيك توك، قصيراً وغنيّاً بالصور، لاستقطاب انتباه الصحفيين.
ومن خلال الحرص على الجاذبية البصرية – سواءً عبر مقاطع الفيديو القصيرة أو الصور المتحركة GIFs أو منشورات تيك توك. وباتّباع مبدأ “الأقل هو الأكثر”، يمكن لمتخصّصي العلاقات العامة جذب الصحفيين بفعّاليةٍ أكبر وجعل عروضهم التقديمية تبرز في فضاءٍ إعلامي مزدحم.
وفي خضمّ انتشار المعلومات الخاطئة وأزمة الثقة في المشهد الإعلامي، تتاح للعلاقات العامة فرصة فريدة لتزويد الصحفيين بمصادر خبيرة توفّر الوضوح والمصداقية.
إن الفشل في تلبية هذا المطلب لبناء الثقة وتعزيز المصداقية في وسائل الإعلام سيترتّب عليه عواقب وخيمة، حيث سيفقد متخصّصو العلاقات العامة الذين لا يتكيّفون مع ثقافة الجاذبية والتلقائية “الريز” فرص الوصول إلى الجيل القادم من الصحفيين والجمهور على حد السواء.
وبجانب “أيليت نوف”، فقد حذرت سامانثا شتراوس Samantha Strauss رئيسة قسم الاتصالات في شركة McCann Worldgroup لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ، في مقال لها بعنوان: إعادة صياغة دليل العلاقات العامة: وما يعلّمنا إياه موظفو ومستهلكو الجيل Z في آسيا.
وتطلق تحذيرها بقولها: “سيُحاسب جيل Z الشركات على ما تقوله، وعلى ما لا تقوله.” وتضيف أنه في آسيا، لا يقتصر ظهور الجيل Z على إعادة تشكيل السوق فحسب، بل إنه يعيد كتابة قواعد الاتصالات الداخلية ورواية قصص العلامة التجارية وسمعة الشركة. وباعتبارهم جيلاً ولد في طلاقةٍ رقمية وتعقيدٍ ثقافي وتحدياتٍ وجودية، تحوّل توقعاتهم كيفية عمل الاتصالات الداخلية.
ولاحظت سامانثا كيف يتحدى هذا الجيل الصاعد التقاليد ويلهم التغيير ويطالب بمستوياتٍ جديدة من الأصالة والمرونة من المؤسسات التي يتعاملون معها، سواءً كموظفين أو كمستهلكين.
وتقول: كنّا ندرس ونتفاعل مع هذا الجمهور من خلال دراستنا العالمية طويلة الأمد، “الحقيقة حول الشباب”. واستضفنا فعّالياتٍ تفاعليّة في تايلاند والصين واليابان، وتعمّقنا في عقلية الجيل Z عبر سياقاتٍ ثقافية مختلفة تماماً.
لقد اكتشفنا أنّ ما يوحّدهم ليس أعمارهم، بل هو جوعٌ مشترك للحقيقة عبر كشفهم للتناقضات بسرعة البرق، والشفافية التي يفضّلون من خلالها علامةً ناقصة لكن صادقة على علامةٍ كاملة زائفة، وعبر الربط الجذري بين القيم الشخصية والمهنية حيث يرفض 65% وظائف في شركات لا تتماشى مع مبادئهم حتى لو برواتب أعلى. هذه ليست موجةً عابرة – إنها إعادة ضبط جذرية لمنطق الاتصال في العصر الآسيوي الجديد.
وأنا أتفق تماماً مع ما ذهبت إليه “سامانثا” عندما قالت: يُجبرنا جيل Z على إحداث تحوّلٍ في كيفية تواصلنا داخلياً (كموظفين) وخارجياً (كمستهلكين)، من الرسائل المؤسسية إلى المعنى الحقيقي. فهم لا يريدون فقط معرفة ما تدّعيه شركتك، بل يريدون إثباتاً عملياً.
وبالفعل نستهدف من تنظيمنا للمنتدى القادم عن “نبض جيل زد” من سلسلة ندوات “دائرة العلاقات العامة” أن نتناول بالتحليل والمناقشة من خلال خبراء المهنة وعلماء الاجتماع والإدارة والعلاقات العامة لقضايا الجيل زد التي تتعلق بالعمل والاستهلاك.
وتؤكد سامانثا ذلك من خلال كشفها عن بعض مخرجات دراسة “الحقيقة حول الشباب” أنّ 82% من جيل Zالذين شملهم الاستطلاع عالمياً يعتقدون أنّ لجيلهم القدرة على التأثير على تصرفات وسلوكيات العلامة التجارية للأفضل.
ويزداد هذا الأمر وضوحاً داخل الشركات، حيث يرغب الموظفون الأصغر سناً في أن تعكس بيئات عملهم قيمهم الشخصية. ونتيجةً لذلك، أصبحت فرق الاتصالات الداخلية بشكلٍ متزايد مسؤولة عن الثقافة، وليست مجرد قنواتٍ لنقل المعلومات.
بالإضافة إلى ذلك، يحتاج مديرو جيل Zإلى التركيز على بناء الثقة، وتعزيز الاستقلالية، وتوفير تواصلٍ واضح، وتقديم ملاحظاتٍ منتظمة، وخلق بيئة عمل داعمة تُقدّر احتياجاتهم وتفضيلاتهم الفريدة. ويشمل ذلك إعطاء الأولوية للتوازن بين العمل والحياة، وتقدير الإنجازات، وتوفير فرصٍ للتعلم والنمو.
وهذا الأمر، إنما يؤكد لنا بأن اختيارنا لمنهج “دور العلاقات العامة في التعامل مع قضايا الأجيال الجديدة” أن ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ على وجه الخصوص، حيث نجمع ونحشد المواهب الإبداعية من طلاب الجامعات المصرية من الجيل زد لمشاركتنا في صناعة هذا الحدث وبدون تمسكنا بالتسلسلات الهرمية القديمة، نعتمد على تكريس الرغبة في قيادة تعاونية وذكية عاطفياً، والرغبة العميقة في العمل الهادف لتمكين هؤلاء الشباب في سرد قصصهم وإتاحة الفرصة أمام الأجيال القديمة لفهمهم والتعرف على أسلوب حياتهم الذي يناسب زمانهم.
يمثّل هذا تحدياً أمام ممارسي العلاقات العامة الآن من أجل بناء الحوار وتشجيع الشفافية وأن يصبحوا ميسرين للثقة عبر كل طبقة من طبقات المنظمة. وبالنسبة للعلامات التجارية، تلك التي تتعامل مع الشفافية كاستراتيجية ستخسر، وتلك التي تجعلها ثقافة مؤسسية ستنجح. وذلك كما أشارت إليه سامانثا ستراوس.
من الواضح لنا، بعد التجربة الأولى لتنظيم المنتدى الأول “مد الجسور بين التعليم الأكاديمي والممارسة المهنية”، بأن الأجيال الجديدة تريد التعلُّم والاستكشاف وتجربة مواهبها وأدائها، وتطبيق ما تعلموه، والبحث عن دافع قوي لمواصلة التعلم من خلال الممارسة. ونحن بالفعل نوفر لهم الفرصة لاستعادة الثقة وتحديد الرؤية والهدف والغاية والمعنى لحياتهم المستقبلية.
لكن هذا يتطلب منا، كمسؤولين عن التواصل، أن نثق بهم كموظفين وكمستهلكين. وهو ليس بالأمر السهل دائماً وخاصة خلال فترات التحوّل الجذري كما هو جاري الآن.
وتختتم سامانثا قائلة: “إن العصر الجديد لا يحتاج إلى حرّاس السمعة، بل إلى رواة قصص حقيقيين يجرؤون على مواجهة التعقيدات بدلاً من تجميلها” وهذه توصية حكيمة ينبغي أن يغتنمها ممارسي مهنة اتصالات العلاقات العامة في مؤسساتنا المصرية.





