قراءة في تراجع ترامب وتمسك إيران.. ماذا تكشف المعطيات العسكرية عن مسار الصراع؟

أحمد رفعت يوسف

تقرير يكتبه: أحمد رفعت يوسف

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عاد للحديث عن المفاوضات، وقال إن هناك مفاوضات عميقة مع الإيرانيين، وتراجع عن تهديده بشن هجوم عنيف إذا ما فشلت المفاوضات، واستبدله بإمكانية العودة إلى استئناف الضربات المحدودة.

هناك شبه إجماع، من المحللين العسكريين والسياسيين الأمريكيين، على أن أمريكا لا تحقق أهدافها، وليس لديها القدرة على حسم الموقف بالطريقة العسكرية.

أما إيران، فإن المنطق يقول إنها لم تكن لتتمسك بشروطها خلال المفاوضات، ولم تترك الاستفزازات الأمريكية دون رد، وإنها لن تقبل بوقف مؤقت لإطلاق النار، وإنما بوقف دائم، مع ضمانات بعدم العودة إلى القتال، لو لم تكن واثقة من قدرتها على الرد والصمود.

تراجع ترامب عن تهديداته، وتمسك إيران بمواقفها، لم يأتيا من فراغ، والجميع يدرك أن الأمريكيين، لو كان لديهم القدرة على تحقيق أهدافهم في الحرب، لما ترددوا لحظة، حتى لو أدى ذلك إلى تدمير إيران كلها، ومعها الخليج ونصف العالم. وهذا التراجع تقف وراءه أسباب عسكرية وميدانية.

الجواب ليس من باب التحليل العسكري والسياسي، وإنما من التقارير العسكرية الأمريكية والإسرائيلية، التي تؤكد أن مخزون الدفاع الجوي الأمريكي يعاني من خلل كبير، ونقص في القدرة على التصدي للهجمات الإيرانية على الكيان الصهيوني، والمواقع والقواعد الأمريكية في الخليج، التي أصبحت مفتوحة بشكل شبه تام أمام الإيرانيين، بعد تدمير معظم القواعد والرادارات ومقرات القيادة ومحطات الدفاع الجوي الأمريكية في الخليج والعراق والأردن. وبقي ما يتعلق فقط بالكيان الصهيوني، وهو الأساس وراء قرار الحرب وحدودها، لأن هذه الجبهة تعاني من خلل خطير.

فقواعد صواريخ الباتريوت الموجودة في الأردن وفلسطين المحتلة تلقت ضربة قوية، عندما تمكنت إيران من تدمير 134 صاروخًا منها، قيمتها مليارات الدولارات، كانت أمريكا قد جلبتها لتعزيز قواعدها، لكن إيران دمرتها وهي لا تزال في ميناء العقبة الأردني.

والباتريوت ليس كل شيء، فمنظومة الدفاع الجوي الإسرائيلي تعتمد على ثلاث منظومات رئيسية، وهي: القبة الحديدية، ومقلاع داوود، وحيتس، إضافة إلى المنظومات الأمريكية من الباتريوت وثاد.

وهي تحتاج إلى شبكة الرادارات لتقوم بعملها، لأنها توفر الإنذار المبكر. لكن هذه الشبكة تعرضت قواعدها في الأردن ودول الخليج لضربات قوية من إيران، دمرتها بشكل شبه كامل، مما أدى إلى قيام الولايات المتحدة بسحب معظم معدات هذه المنظومة والطائرات إلى الكيان، واحتاجت حتى إلى فتح المطارات المدنية، مثل مطار بن غوريون، واستخدامها للأغراض العسكرية لاستيعابها.

وهذا ما يجعل أي خطأ في التقدير كارثة بالنسبة لأمريكا والكيان. والمنطق يقول إن إيران، التي تمكنت من تدمير كل هذه القواعد والرادارات ومقرات القيادة والتحكم في الخليج والأردن، قادرة على الوصول إليها في أماكن تجميعها وتخزينها داخل الكيان، وهو ما حدث بالفعل، حيث تمكنت إيران من توجيه ضربات قوية دمرت الكثير من هذه المعدات، وهو ما نقلته صور الأقمار الصناعية، وتكتمت عليه وسائل الإعلام العربية والغربية الموالية للأمريكيين والكيان.

وهذا هو السبب الحقيقي في قرار إبقاء الكيان بعيدًا عن الاشتباك الأمريكي الإيراني في جولته الأخيرة، منذ انهيار قرار وقف القتال.

هذه الحالة جعلت زيارة نتنياهو إلى واشنطن من أصعب الزيارات، رغم الكلام الدبلوماسي الذي قاله عن لقاءاته مع ترامب، ووصفه لها بأنها كانت مهمة.

فالوضع العسكري والميداني ليس جيدًا، وقسم من إدارة ترامب، يمثله نائب الرئيس جي دي فانس، يحمل حكومة نتنياهو أسباب الفشل، ويرى أن حكومة نتنياهو تدفع نحو استمرار القتال رغم ذلك.

كما أصبح الكونغرس الأمريكي أقل تأييدًا لإسرائيل، وهناك تحول في الرأي العام الأمريكي، وفي أوساط النخب الأمريكية، ضد الكيان.

ويؤكد ذلك الرسالة التي وجهتها أكثر من أربعمئة شخصية من النخب السياسية والعسكرية والإعلامية الإسرائيلية إلى الرئيس ترامب، قبيل وصول نتنياهو إلى واشنطن، والتي تطلب منه عدم الانجرار وراء مغامرات نتنياهو لاستئناف القتال.

ورغم صعوبة الأوضاع، فإن نتنياهو ليس أمامه سوى طريق واحد، وهو الاستمرار في القتال، لأن وقف الحرب والتوصل إلى اتفاق سيعني خسارته الانتخابات والذهاب إلى السجن.

وهناك نقطة مهمة لا يتحدث عنها الإعلام، لأنها لا ترتبط بالنتائج المباشرة للأحداث، وهي أن ترامب يعتبر حكومة نتنياهو من تيار الحرب والحل العسكري، الذي سقط في الولايات المتحدة الأمريكية، فيما يعمل تياره على التهدئة والمنافسة الاقتصادية، وهو ما يعبر عنه في الكثير من تصريحاته.

وقد انجر إلى الحرب مع إيران، ليس اقتناعًا بها، وإنما بسبب نتنياهو والمؤيدين له في الإدارة الأمريكية والكونغرس، وبسبب التقارير الإسرائيلية، وبعض الأمريكية، التي أعطته توقعات مضمونة بنتائج الحرب بشكل سريع.

لكن حسابات الحقل الإسرائيلي اختلفت كثيرًا عن حسابات البيدر الإيراني، وهذا ما يجعل ترامب يفضل سقوط حكومة نتنياهو، ومجيء حكومة أقل تطرفًا، وتتوافق مع رؤيته.

تحليل الحروب والصراعات لا يخضع للعواطف والأمنيات، وقراءة الوضع لا يجوز أن تتم فقط من خلال الصورة الظاهرة، التي قد تكون خادعة، وليس فقط من خلال حساب الخسائر العسكرية، وإنما من خلال المسارات التي تأخذها هذه الصراعات، ومعرفة اتجاهاتها ونتائجها الجيوسياسية قبل العسكرية، وإلى أين يمكن أن تؤدي.

الصراع مستمر، والوضع لا يزال مفتوحًا على كل الاحتمالات.

طالع المزبد: أحمد رفعت يوسف يكتب: من سايكس بيكو إلى باراك

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى