من هرمز إلى «المنبوذ الاقتصادي».. عاطف عبد الغني يكشف لعبة ترامب مع إيران

كتبت: هدى الفقى

خلال مشاركته في برنامج «أنباء وآراء» المذاع على القناة الثانية للتليفزيون المصري والفضائية المصرية، في حلقة من تقديم  الإعلامية فاطمة نبيل، ناقش الكاتب الصحفي عاطف عبد الغني، تطورات الحرب الأمريكية الإيرانية، وتصعيد واشنطن لضغوطها الاقتصادية على طهران، وما أطلق عليه «المنبوذ الاقتصادي»، موضحا تعقيدات المشهد، وتداخل المسارات العسكرية والسياسية والاقتصادية، وانعكاسات ذلك على مستقبل المفاوضات، ودور مضيق هرمز في معادلة الصراع.

وأكد عبد الغني أن ما يظهر من الحرب المعلنة لا يمثل سوى جزء من المشهد، مشيرا إلى أن ما يدور في الكواليس ربما يكون أكبر بكثير مما يظهر في التصريحات العلنية، وأن الحرب الكلامية وتبادل التهديدات والضغوط النفسية والإعلامية أصبحت جزءا رئيسيا من إدارة الصراع.

وقال إن الولايات المتحدة وإيران تحاولان، عبر التصريحات المتبادلة، إرسال رسائل إلى الداخل أولا، وإلى العالم والحلفاء ثانيا، مفادها أن كل طرف لا يزال قادرا على مواصلة الضغط على الطرف الآخر، وتحقيق أهدافه سواء من خلال التفاوض أو الضغط العسكري أو الأدوات الاقتصادية.

«المنبوذ الاقتصادي».. سلاح جديد في المواجهة

وأوضح عبد الغني أن العقوبات الاقتصادية الأمريكية الأخيرة تأتي في إطار هذه الاستراتيجية، لافتا إلى أن واشنطن اعتادت إطلاق تسميات ذات طابع درامي على عملياتها العسكرية والاقتصادية.

وأضاف أن مفهوم «المنبوذ الاقتصادي» يعكس محاولة أمريكية لفصل إيران عن محيطها الاقتصادي وعزلها عن العالم، في حال لم تنجح الضغوط العسكرية والسياسية في دفعها إلى الجلوس إلى مائدة التفاوض وتقديم التنازلات التي تريدها واشنطن.

وأشار إلى أن الرهان الأمريكي يبدو قائما على أن الضغوط الاقتصادية المتراكمة يمكن أن تدفع إيران، خلال فترة زمنية قصيرة نسبيا، إلى القبول بالشروط الأمريكية، إلا أن هذا السيناريو ليس بالضرورة بهذه السهولة، في ظل قدرة إيران على تحمل الضغوط وتوظيف أوراقها الإقليمية.

هل يعود المسار الدبلوماسي؟

وفيما يتعلق بمستقبل المفاوضات، رأى عبد الغني أن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب توقف المفاوضات، بالتزامن مع التأكيد على أن جميع الخيارات لا تزال مطروحة، لا يعني بالضرورة إغلاق الباب أمام المسار السياسي بصورة نهائية.

وأوضح أن هذا التناقض الظاهري بين التصعيد والتهديد من جهة، والإبقاء على احتمالات التفاوض من جهة أخرى، يمكن فهمه باعتباره جزءا من استراتيجية الضغط، مشيرا إلى وجود جهود من أطراف إقليمية ودولية، بينها باكستان وقطر وغيرها، لمحاولة فتح مسار يقود إلى تفاهمات مع الجانب الأمريكي.

ووصف المرحلة الراهنة بأنها «توازن سلبي»، موضحا أن كلا الطرفين تعرض لخسائر، وأن كل طرف يحاول كسب الوقت والرهان على أن عامل الزمن سيعمل لصالحه.

وحذر من أن عنصر الوقت قد يكون شديد الخطورة على الطرفين، سواء بالنسبة إلى فرص العودة إلى طاولة المفاوضات أو بالنسبة إلى قدرة كل طرف على تحمل تبعات استمرار الصراع.

أزمة الثقة تعرقل التفاوض

وتوقف الكاتب الصحفي عند أزمة الثقة بين إيران والولايات المتحدة، مؤكدا أنها تمثل واحدة من أبرز العقبات أمام أي عودة حقيقية إلى المفاوضات.

وأشار إلى أن التجارب السابقة، ولا سيما خلال فترة الإدارة الأمريكية الأولى لترامب، عندما انسحبت واشنطن من الاتفاق النووي، عززت لدى طهران مخاوف من إمكانية أن تأتي إدارة أمريكية لاحقة وتلغي أي اتفاق جديد يتم التوصل إليه.

ولذلك، أوضح عبد الغني أن إيران لا تبحث فقط عن اتفاق، وإنما تريد ضمانات سياسية وقانونية تحول دون تكرار سيناريو الانسحاب الأمريكي من الاتفاقات، سواء عبر ترتيبات دولية أو أممية، أو من خلال أطراف قادرة على ضمان الالتزام بما يتم التوصل إليه.

هرمز والاقتصاد.. أوراق ضغط متبادلة

وأكد عبد الغني أن استمرار الصراع في المنطقة يجعل ملف الممرات المائية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، أحد أهم عناصر الضغط والمساومة بين الأطراف.

وأوضح أن أي اضطراب في حركة الملاحة عبر الممرات الحيوية لا ينعكس فقط على أطراف الصراع، وإنما يمتد تأثيره إلى الاقتصاد العالمي ودول المنطقة، مشيرا إلى أن مصر من بين الدول الأكثر تأثرا بأي اضطراب في حركة الملاحة، نظرا لارتباط ذلك بأمن قناة السويس وإيراداتها.

ورأى أن إطالة أمد الحرب قد تفتح الباب أمام انتقال المواجهة من المستوى العسكري إلى مستويات اقتصادية أكثر اتساعا، وهو ما يجعل استمرار التصعيد مخاطرة بالنسبة إلى جميع الأطراف.

استبعاد «الخيار النووي» الإيراني

وفي سياق حديثه عن السيناريوهات المحتملة، استبعد عبد الغني اللجوء الإيراني إلى استخدام السلاح النووي، أو الوصول إلى مرحلة يمكن فيها لطهران إنتاج عدد كبير من القنابل النووية خلال فترة وجيزة، معتبرا أن مثل هذا السيناريو غير مرجح في ظل طبيعة الصراع وحسابات القوى الدولية والإقليمية.

وتطرق إلى ما يعرف بـ«الخيار شمشون»، موضحا أن هذا المصطلح ارتبط في النقاشات الاستراتيجية بإمكانية اللجوء إلى خيارات قصوى حال شعور دولة ما بأنها تواجه تهديدا وجوديا.

وأشار إلى أن الحديث عن هذا الخيار كان أكثر ارتباطا بإسرائيل، بحكم طبيعتها الجغرافية والديموغرافية، بينما يختلف الوضع الإيراني بصورة كبيرة.

إسرائيل.. الطرف الثالث في المعادلة

وأكد عبد الغني أن فهم الصراع الأمريكي الإيراني لا يكتمل من دون النظر إلى الدور الإسرائيلي، معتبرا أن إسرائيل تمثل طرفا ثالثا مؤثرا في مسار الأحداث.

وقال إن هناك تباينات بين الإدارة الأمريكية والإدارة الإسرائيلية بشأن طريقة إدارة عدد من الملفات الإقليمية، مشيرا إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد يكون أكثر ميلا إلى تهدئة بعض بؤر التوتر في لبنان وسوريا، بينما ترى إسرائيل مصلحة في استمرار حالة الضغط والتوتر الإقليمي.

وأضاف أن هذه التباينات لا تعني بالضرورة وجود قطيعة بين الطرفين، وإنما تعكس اختلافا في الحسابات والأولويات والتوقيتات.

نتنياهو والحسابات الداخلية

وربط عبد الغني بين التصعيد الإسرائيلي والحسابات السياسية الداخلية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مشيرا إلى أن استمرار الحرب والتوتر الإقليمي يمثلان بالنسبة إليه ورقة سياسية يخاطب بها التيار اليميني المتطرف داخل إسرائيل.

وأضاف أن نتنياهو يسعى إلى توظيف الملفات الأمنية والعسكرية في مخاطبة القاعدة الانتخابية اليمينية، خاصة في ظل تصاعد نفوذ الأحزاب والتيارات اليمينية المتشددة.

وأشار إلى أن الحديث الإسرائيلي عن توسيع النفوذ الإقليمي وإعادة رسم خريطة المنطقة يمثل جزءا من الخطاب السياسي الذي تستثمره حكومة نتنياهو في الداخل.

العقوبات الأمريكية.. ضغط على إيران أم حسابات انتخابية؟

وحول توقيت العقوبات الاقتصادية الأمريكية، رأى عبد الغني أن هذه الإجراءات لا تستهدف الداخل الأمريكي بالدرجة الأولى، وإنما تمثل أداة ضغط على إيران لدفعها نحو التفاوض والوصول إلى تسوية.

لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن الإدارة الأمريكية لا يمكنها تجاهل التأثيرات الداخلية للحرب، خاصة مع ارتفاع الضغوط الاقتصادية التي يشعر بها المواطن الأمريكي.

وقال إن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والوقود قد يدفع الناخب الأمريكي إلى التساؤل عن أسباب انخراط بلاده في حرب جديدة، وما إذا كان يتحمل تكلفة صراع لا يرى ارتباطا مباشرا له بمصالحه اليومية.

وأوضح أن هذا البعد الداخلي يكتسب أهمية خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية الأمريكية، وفي مقدمتها انتخابات التجديد النصفي للكونجرس.

تغير المشهد الإعلامي في الولايات المتحدة

وأشار عبد الغني إلى أن أحد أبرز المتغيرات في المشهد الحالي يتمثل في تغير الطريقة التي يحصل بها المواطن الأمريكي على المعلومات.

وأوضح أن الأجيال الجديدة، وطلاب الجامعات، والتيارات اليسارية، وشرائح واسعة من الرأي العام الأمريكي باتت تعتمد بدرجة أكبر على وسائل التواصل الاجتماعي والمصادر الإعلامية العالمية، ولم تعد وسائل الإعلام الأمريكية التقليدية هي المصدر الوحيد للمعلومات.

وأضاف أن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة أسهمت في كشف جوانب من الصراع كانت لا تصل بالوضوح نفسه إلى قطاعات من الرأي العام الغربي، معتبرا أن انتشار الصور والمعلومات عبر المنصات الرقمية ساهم في إعادة تشكيل النقاش داخل المجتمعات الغربية حول الحرب والدعم الأمريكي لإسرائيل.

وأكد أن هذه التحولات الإعلامية تمثل عاملا مهما في إعادة تشكيل مواقف الرأي العام، خاصة لدى الأجيال الجديدة، تجاه الحرب والسياسة الخارجية الأمريكية والدعم غير المحدود لإسرائيل.

واختتم عبد الغني رؤيته بالتأكيد على أن المشهد الأمريكي الإيراني لا يمكن قراءته باعتباره مواجهة عسكرية فقط، وإنما هو صراع متعدد الأدوات، تتداخل فيه الضغوط العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية والإعلامية، فيما يظل عامل الوقت والممرات المائية، وعلى رأسها مضيق هرمز، من أبرز الأوراق المؤثرة في تحديد اتجاهات المرحلة المقبلة.

جديد بالذكر أن حلقة الجمعة من برنامج “أنباء وآراء”، رئيس التحرير سلوى مصطفى، الإعداد سها الدهشان و ناصر علي
والإخراج داليا كمال.

شاهد الحلقة كاملة:

طالع المزيد: عاطف عبد الغنى يكتب: سد النهضة.. معركة قواعد النيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى