محاولات انتحار وانخفاض الروح المعنوية بين الجنود الأمريكيين بسبب حرب إيران
عائلات الجنود تدفع ثمن الحرب في صمت
وكالات
لم تقتصر تداعيات الحرب الأمريكية مع إيران على ساحات القتال، ولا على أعداد القتلى والجرحى أو الحسابات العسكرية والسياسية، وإنما امتدت إلى آلاف المنازل الأمريكية التي وجدت نفسها تعيش حربا أخرى بعيدة عن الجبهات، عنوانها القلق والانتظار والضغوط المالية والنفسية، حسب تقرير مطول نشرته وكالة رويترز.
وأضاف التقرير أنه مع دخول الصراع شهره السادس، تحولت حياة عائلات العسكريين الأمريكيين إلى ما وصفته أسر عديدة بـ«أفعوانية من المشاعر»، تتأرجح بين الأمل في عودة الأب أو الابن سالما، والخوف من خبر مفاجئ قد يقلب تفاصيل الحياة اليومية.
«عائلات النجمة الزرقاء»
وتروي كورتني ساندرز، التي تقود فرع منظمة «عائلات النجمة الزرقاء» في منطقة شيكاجولاند، جانبا من هذه المعاناة، إذ تعمل المنظمة على مساعدة أسر العسكريين في سد الفراغ الذي تركه انتشار ذووهم في مناطق العمليات.
وتشمل المساعدات تفاصيل تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تتحول إلى أعباء ثقيلة مع استمرار الغياب، مثل تنظيم توصيل الأبناء إلى المدارس، وتعويض بعض الخسائر في دخل الأسرة، ومواجهة القلق المستمر بشأن سلامة أفرادها المنتشرين في الخارج.
وتقول ساندرز إن الشعور المسيطر على هذه العائلات يشبه الوقوف «على أعصابها طوال الوقت»، مؤكدة أن اللحظة التي تعتقد فيها الأسرة أنها تمكنت أخيرا من التقاط أنفاسها، قد تعقبها صدمة جديدة تعيدها إلى دائرة القلق والخوف.
وتكتسب شهادتها بعدا شخصيا، إذ إن ابنتيها تخدمان في البحرية الأمريكية، وقد أمضتا الأشهر الستة الماضية في مواقع مختلفة خارج الولايات المتحدة، بينها منطقة الشرق الأوسط.
وتشير المعطيات الواردة في التقرير إلى أن الولايات المتحدة لديها أكثر من 50 ألف جندي منتشرين في أنحاء المنطقة، فيما دفعت الحرب واشنطن إلى إرسال آلاف إضافية من مشاة البحرية والبحارة لدعم العمليات العسكرية.
وخلال الأشهر الستة الأولى من الصراع، قتل 18 عسكريا أمريكيا وأصيب أكثر من 750 آخرين، وهو ما جعل الأسر العسكرية تعيش تحت ضغط أخبار الجبهات بصورة شبه يومية.
مصدر المعاناة
ولم يكن اضطراب المشهد العسكري وحده مصدر المعاناة، فالحرب نفسها اتسمت بالتذبذب بين جولات من القتال والتحركات الدبلوماسية ومحاولات الوساطة ومفاوضات لم تفض إلى تسوية، الأمر الذي جعل الأسر عاجزة عن تحديد موعد واضح لنهاية الانتشار أو عودة ذويها.
وبالنسبة إلى هذه العائلات، لا تعني الهدنة المؤقتة بالضرورة نهاية الخطر، كما أن استئناف العمليات قد يأتي في أي لحظة، وهو ما يضاعف الضغط النفسي.
وأظهر استطلاع أجرته منظمة «عائلات النجمة الزرقاء» مطلع مارس، وشمل نحو 200 أسرة من أسر العسكريين العاملين بالخدمة، أن 81% من المشاركين أفادوا بارتفاع مستويات التوتر لديهم بسبب الحرب مع إيران، في مؤشر يعكس اتساع الأثر النفسي للصراع خارج نطاق العسكريين الموجودين في مناطق العمليات.
وأمام هذا الوضع، وسعت المنظمة برامج الدعم التي تقدمها للعائلات، فأنشأت مراكز وموارد إلكترونية للمعلومات والمساعدة، ونظمت ندوات عبر الإنترنت ولقاءات مباشرة، كما عملت على ربط أزواج وأسر العسكريين الذين يخوضون تجربة الانتشار للمرة الأولى بأسر سبق لها المرور بالتجربة نفسها، بهدف توفير الدعم العملي والنفسي ومشاركة الخبرات في مواجهة ظروف الغياب الطويل.
تفاصيل جديدة تزيد تعقيد المشكلة
وزادت المشكلة تعقيدا مع تمديد انتشار عدد من العسكريين بصورة غير متوقعة.
ومن أبرز الحالات حاملة الطائرات الأمريكية «يو إس إس أبراهام لينكولن»، التي أمضت أكثر من 200 يوم من دون التوقف في ميناء، في فترة وصفها مشرعون ديمقراطيون بأنها قياسية وفقا للمعايير الحديثة.
كما تحدثت وسائل إعلام عسكرية عن محاولات انتحار وتراجع في الروح المعنوية بين نحو 5 آلاف من البحارة ومشاة البحرية على متنها، بينما رفض وزير الدفاع الأمريكي بيت هيجسيث هذه التقارير، واعتبر أنها قدمت صورة غير دقيقة تماما عن الأوضاع على متن السفينة.
ولا تتوقف كلفة الانتشار العسكري عند الجانب النفسي، إذ تجد بعض الأسر نفسها أمام ضغوط مالية مباشرة.
ويبرز هذا الأمر بصورة خاصة بين أفراد الحرس الوطني، الذين يعملون في وظائف مدنية بصورة طبيعية عندما لا يكونون في الخدمة العسكرية، وبالتالي فإن استدعاء أحد أفراد الأسرة ونشره في الخارج قد يعني فقدان مصدر الدخل الأساسي بصورة مفاجئة.
وتوضح ساندرز أن هناك اعتقادا شائعا في المجتمع المدني بأن أفراد الجيش وعائلاتهم يحصلون على كل ما يحتاجونه وأن جميع نفقاتهم مغطاة، لكنها تؤكد أن هذا الاعتقاد لا يعكس الواقع، وأن بعض الأسر تجد نفسها مضطرة إلى التعامل مع أعباء مالية حقيقية خلال فترة الانتشار.
رد وزارة الحرب الأمريكية
وفي مواجهة هذه الضغوط، أكدت وزارة الحرب الأمريكية أن السلطات تدرك حجم المخاوف التي تواجهها الأسر العسكرية وتستمع إلى مطالبها، مشيرة إلى أنها ستوفر الموارد والمساعدة والاستقرار اللازمين للعائلات خلال هذه الظروف الصعبة.
وتكشف شهادات أفراد الأسر العسكرية حجم الجانب الإنساني للحرب.
زوجة جتدى تشتكى
(ف شانون)، وهي زوجة أحد أفراد الجيش وأم لثلاثة أطفال في ولاية نورث كارولاينا، طلبت عدم نشر اسمها الكامل لدواع أمنية، حاولت قدر الإمكان الابتعاد عن الأخبار والجدل السياسي المحيط بالحرب.
لكن الحرب اقتحمت حياتها مباشرة عندما تم نشر زوجها في المنطقة خلال فبراير بعد إخطارها قبل خمسة أيام فقط، ولم يكن قادرا على التواصل معها بصورة منتظمة خلال الأشهر الأولى.
ومنذ يونيو، أصبحت الاتصالات بين الزوجين شبه يومية، لكن ذلك لم ينه حالة القلق.
تقول شانون إن المشاعر كثيرة ومتداخلة، خصوصا مع سقوط قتلى في منطقة انتشار زوجها. وامتد الضغط النفسي إلى الأبناء أيضا، إذ بدأ أطفالها الخضوع لجلسات علاج نفسي خلال الصيف، بينما تحاول هي الحفاظ على تماسكها أمامهم، قبل أن تسمح لنفسها أحيانا بالبكاء بعيدا عن أعينهم.
وبعد فترة قصيرة من نشر زوجها، انضمت شانون إلى مجموعة أنشأها الجيش لدعم الجنود وأسرهم داخل وحدته، وشاركت في تنظيم مبادرات مثل توفير الوجبات ومساعدة الأسر التي تحتاج إلى الدعم.
وبالنسبة إليها، أصبح الاستمرار في الحياة اليومية وسيلة للتعامل مع القلق، إذ تؤكد أن كل يوم لن يكون جيدا بالضرورة، لكن المهم هو مواصلة الحياة والانشغال بما يمكن القيام به.
.. وزوجة أخرى
وفي ولاية فرجينيا، تعيش «بات»، وهي زوجة أحد أفراد البحرية وأم لأطفال في المرحلتين الإعدادية والثانوية، تجربة مشابهة. فمنذ نشر زوجها قبل نحو خمسة أشهر، حاولت الحفاظ على أكبر قدر ممكن من الاستقرار في حياة أبنائها، مستفيدة من دعم الجيران الذين ساعدوها في توصيل الأطفال وإنجاز بعض المهام اليومية.
مظاهر تضامن المجتمع مع العسكريين
وتحولت بعض مظاهر التضامن المجتمعي إلى طقوس أسبوعية، إذ ترتدي الأسرة اللون الأحمر كل يوم جمعة تعبيرا عن دعم العسكريين المنتشرين، فيما يشاركهم عدد من زملاء أبنائها في المدرسة هذا التقليد، حتى من ليست لديهم صلة مباشرة بالمؤسسة العسكرية.
وكان زوج بات قد خاض تجارب انتشار سابقة، لكنها فوجئت هذه المرة بوجود خدمة الإنترنت اللاسلكي على متن سفينته، وهو ما جعل التواصل بينهما أسهل نسبيا. ومع ذلك، ظل السؤال الأكثر إلحاحا بلا إجابة: متى سيعود إلى المنزل؟
وتقول بات إن غياب الأب عن المناسبات الرياضية لأبنائه كان من أكثر الجوانب المؤلمة، خصوصا مع مرور الأشهر وافتقاد الأسرة وجوده في تفاصيل الحياة اليومية. لكنها في الوقت نفسه ترى أن أبناءها أظهروا قدرة كبيرة على التكيف والصمود.
وبعد ستة أشهر من الحرب
وهكذا، وبعد ستة أشهر من الحرب، تبدو آثار الصراع الأمريكي الإيراني ممتدة إلى ما هو أبعد من الخرائط العسكرية وحسابات السياسة الخارجية.
فخلف كل جندي منتشر في الشرق الأوسط أسرة تحاول إدارة حياة يومية كاملة في غيابه، وأبناء يتعلمون كيف يتعاملون مع غياب أحد الوالدين، وزوج أو زوجة ينتظر اتصالا هاتفيا يطمئنهم بأن الأمور ما زالت بخير.
وبينما تستمر العمليات العسكرية والمفاوضات المتعثرة ومحاولات البحث عن مخرج سياسي، تظل هذه العائلات عالقة في حالة انتظار مفتوحة، لا تعرف متى تنتهي الحرب ولا متى يعود أحباؤها، لتدفع بذلك ثمنا إنسانيا ونفسيا واقتصاديا لصراع تدور قراراته في واشنطن وطهران، بينما تتردد أصداؤه داخل آلاف المنازل الأمريكية.





