يس الريدي: الكتابة علاج.. و60% من “يؤنس” وقائع حقيقية من دور الرعاية

كتب: إسلام فليفل
“برد الروح ملوش غطا”، بهذه الجملة يبدأ الكاتب يس الريدي رحلته مع روايته الجديدة “يؤنس”، رحلة داخل عقل شاب خرج من دار رعاية يحمل جراح طفولة بلا أمان، ويواجه وحده اضطراب الشخصية الحدية ونوبات الهلع.
الرواية التي يصفها مؤلفها بأنها “60% واقعية” لم تولد من فراغ، جاءت بعد زيارات متكررة لدور الرعاية، وبعد حوادث انتحار لمرضى اكتئاب لم يجدوا من يسمعهم، قرر الريدي أن يكتب قبل “فوات الأوان”، وأن يمنح صوتاً لمن يعانون في صمت.
في هذا الحوار يتحدث يس الريدي عن التحدي الأكبر: كيف تكتب عن الألم النفسي دون وصم؟ وعن اختياره لاسم “يونس” ورمزية “الونس”، وعن إيمانه بأن الكتابة نفسها فعل علاجي، كما يكشف عن مشروعه القادم وسبب إصراره على اقتحام المواضيع التي يتجنبها الأدب خوفاً من “النقد المسبق”.
إلى نص الحوار:
1. عن الدافع الإنساني وراء العمل:
ذكرت أن “يؤنس” مستوحاة من أحداث حقيقية وتسلط الضوء على معاناة الخارجين من دور الرعاية، ما هي القصة الواقعية التي كانت الشرارة الأولى لكتابة الرواية؟ وإلى أي مدى التزمت بالوقائع الحقيقية مقابل الخيال الروائي؟
ليست لحظة واحدة بل عدة لحظات بداية من زيارتي لدور الرعاية أكثر من مرة والتفكير بعد الزيارة في مستقبل هؤلاء الأطفال وكيف سيصبحون عندما يكونوا شبابا
مرورا بأكثر من حادثة انتحار انتشرت علي مواقع التواصل الاجتماعي عن مرضي اكتئاب لم يجدوا من يساندهم ، دائما يأتي التعاطف متأخرا بعد فوات الأوان قررت أن امزج بين الموضوعين محاولا إيصال صوت كل من يعاني من آلام نفسية وهو لايزال علي قيد الحياة ليجد الدعم المناسب قبل فوات الاوان
استطيع أن أقول إن الرواية واقعية وأحداثها واقعية بنسبة ٦٠٪ بعض الأشخاص اعرفهم بنفسي وتحدثنا كثيرا وبعض المشاهد حدث بالفعل بنفس الحوار المذكور في الرواية والجزء الآخر من خيالي كان ضروريا من أجل السياق الدرامي والحبكة
-
عن التعامل مع الاضطرابات النفسية أدبياً:
الرواية تتناول اضطراب الشخصية الحدية ونوبات الهلع بشكل مباشر. كيف وازنت بين الدقة العلمية في توصيف هذه الاضطرابات وبين متطلبات الحبكة الدرامية؟ وهل استعنت بمختصين نفسيين أثناء الكتابة لضمان عدم الوقوع في التنميط أو الوصم؟
بالطبع كان من أولوياتي الاستعانة بمصادر موثوقة في الطب النفسي للتأكد من المعلومات الطبية والتأكد من أنها صحيحة واستشرت بعض الأطباء النفسيين لأتأكد من صحة الأعراض وطريقة التعامل معاها
بجانب معرفتي شخصيا بأكثر من صديق مصابين ببعض الاضطرابات النفسية ومنها طبعا اضطراب الشخصية الحدية واللذي قررت أن اتناوله في الرواية لأنه من أكثرهم إيلاما من وجهة نظري
نقطة الوصم كانت معضلة بالنسبة لي فالهدف كان ترجمة الألم اللذي يمر به البطل بدون أن أجعل القارئ يخاف منه أو يراه شخصاً غير طبيعي “مجنون” كما يقول البعض رغم رفضي لهذه الكلمة
حاولت قدر المستطاع إيصال المعلومات الطبية داخل سياق الأحداث والحوار كي لا تبدو جلسة علمية مجردة خارجة عن الأحداث واتمني أن أكون نجحت في ذلك -
عن بطل الرواية ورمزية “الونس”:
اخترت اسم “يونس” لبطلك، وربطت رحلته بالبحث عن “الونس”، إلى أي مدى تعتبر أن افتقاد الأمان في الطفولة، كما في حالة الأيتام، يشكل جذراً للاضطرابات النفسية لاحقاً؟ وكيف ترجمت فكرة أن “الونس قد يولد من رحم المعاناة” في مسار الشخصية؟
افتقاد الامان في الطفولة سواء عن طريق فقد الأهل أو حتي في وجودهم يشكل جذرا للاضطرابات النفسية بنسبة ١٠٠٪ من وجهة نظري فالطفل اللذي لم يشعر بالأمان والقبول سيظل هكذا إلي أن يستطيع التعافي من جراح طفولته
رحلة يونس ليست بالهينة وقدرته علي ايجاد ذلك الونس من أبسط الأشياء واقتناعه أنه قد يجد الونس في نفسه كان الوجه الآخر لسلاح الوحدة ، كان يجب عليه أن يصل لذلك الطفل الصغير اللذي لم يشعر بالأمان ويحنو عليه ويحترم احتياجاته -
عن اللغة والأسلوب في نقل الألم النفسي:
تعتمد الرواية على لغة واقعية مؤثرة مثل “برد الروح ملوش غطا”. لماذا اخترت هذا الأسلوب المباشر الحسي بدلاً من التكنية أو الترميز الأدبي؟ وهل ترى أن الكتابة عن الألم النفسي تتطلب كسر الحواجز اللغوية التقليدية لتصل للقارئ؟
بالطبع استخدام رمز أدبيا اقوي وقد استخدمته بالفعل في بعض المواضع ولكن من وجهة نظري بعض المشاعر كان الأفضل لها أن تُقال مباشرة لكي تصل للقاريء بأعلي صوت لها ويستطيع الشعور بما يشعر به يونس
الكتابة عن الألم النفسي تتطلب اختباره اولا ، من اختبر الألم سيستطيع الكتابة عنه بأي طريقة ولغة كانت المهم أن تكون مشاعره صادقة لتصل إلى قلب القاريء -
عن مواجهة الوصمة المجتمعية:
أكدت أن الهدف هو كسر حاجز الصمت حول الاضطرابات النفسية. في رأيك، ما الدور الذي يمكن أن يلعبه الأدب في تغيير نظرة المجتمع للمريض النفسي؟ وهل تواجه أعمالكم الأدبية التي تتناول هذا الجانب نوعاً من الرقابة المجتمعية أو النقد المسبق؟
الدور الأهم من وجهة نظري هو إظهار المشاعر وإيصالها بقدر الإمكان القاريء بعدها يستطيع القاريء تغيير نظرته الاضطراب النفسي ومعرفه أنه الم وليس وصم مثله مثل أي الم آخر يشعر به أي إنسان بل واقوي كثيرا لأنه يهاجم من الداخل
بالطبع كان هناك بعض النقد ضد الفكرة مثل كآبتها وأنها لن تلاقي القبول المنشود ، لكن بالنسبة لي كان ذلك حافزا فإذا كتب كل المؤلفون في مواضيع محددة ومقبولة مجتمعيا سنكون تغمض أعيننا قاصدين عن المشاكل متدعين أنها غير موجودة إلي أن تتفاقم وتصبح كارثة -
عن الكتابة كآلية للشفاء:
تصف كيف حوّل “يونس” انكساراته عبر الكتابة إلى محاولة للشفاء. هل تؤمن بأن الكتابة فعل علاجي بذاتها؟ وإلى أي مدى تعكس هذه الفكرة تجربتك الشخصية ككاتب يترجم الآلام الإنسانية إلى نصوص؟
بكل تأكيد الكتابة فعل علاجي
كثير من المشاعر لم أكن اعرف انها موجودة داخلي قبل كتابة يؤنس
بعد أن انتهيت من الرواية شعرت أن هناك جبلا من المشاعر كان يؤرقني واستطعت التعبير عنها خلال الرواية
لذلك جعلت من يونس كاتبا أيضا لتكون الكتابة جزء من طريق تعافيه -
عن المشروع الأدبي والمستقبل:
ذكر أن أعمالك تهتم بالجانب النفسي والاجتماعي وتفكيك الصراعات الإنسانية المعقدة. بعد “يؤنس”، هل تعتبر نفسك متخصصاً في “أدب الصدمات النفسية”؟ وما هي القضية النفسية أو الاجتماعية التي ترى أنها تستحق أن تكون موضوع روايتك القادمة؟
استطيع ان اقول الادب الاجتماعي بشكل عام وليس الصدمات النفسية فقط ولو كان لها النصيب الأكبر
قضايا كثيرة فلازال هناك العديد من المواضيع اللتي يخاف الكثير من المؤلفين الخوض فيها حاليا هناك أكثر من موضوع ولكن علي سبيل المثال اضطراب الشخصية النرجسية وبعض المواضيع الشائكة الأخري التي تستحق الطرح والاهتمام بها.





