عبد الله حسن شاهد على التحول الكبير.. “الصين بين الماضي والحاضر”

موقع بيان الإخبارى

قراءة التحولات الكبرى في تاريخ الدول إلى أرقام وإحصاءات بقدر ما تحتاج إلى شاهد رأى المشهد مرتين؛ مرة في بدايات الطريق، ومرة بعد عقود، ليرصد بعينه الفارق بين ما كان وما أصبح.

وهذا تحديدًا ما يقدمه الكاتب الصحفي الكبير عبد الله حسن في مقاله المنشور على موقع «فيتو» تحت عنوان «الصين بين الماضي والحاضر»، مستعيدًا أربع زيارات قام بها إلى الصين، بدأت عام 1976 وانتهت بزيارة افتتاح دورة الألعاب الأوليمبية في بكين عام 2008.

المقال في جوهره ليس مجرد استعادة لذكريات مهنية أو صحفية، وإنما يقدم شهادة حية على تجربة تنموية استثنائية، من خلال عين صحفي عايش الصين في مراحل مختلفة، وشاهد بأم عينيه كيف انتقلت من دولة تعاني الفقر والجهل ومحدودية الإمكانات إلى قوة اقتصادية وتكنولوجية وسياسية كبرى.

من بكين 1976.. صورة بلد في بداية الطريق

يبدأ عبد الله حسن حكايته من عام 1976، عندما سافر إلى الصين بصفته محررًا عسكريًا بوكالة أنباء الشرق الأوسط، لمرافقة الفريق أول محمد عبد الغنى الجمسي، نائب رئيس الوزراء ووزير الحربية آنذاك، في أول جولة خارجية له بعد انتصارات حرب أكتوبر المجيدة.

وكانت الزيارة جزءًا من جولة شملت باكستان والصين وكوريا الشمالية، وضم الوفد المصري عددًا من كبار قيادات القوات المسلحة من أبطال حرب أكتوبر، وهو ما منح الزيارة أهمية خاصة في ذلك الوقت.

لكن الأهم في رواية عبد الله حسن هو الصورة التي احتفظ بها من بكين في تلك الفترة.

مدينة محدودة السيارات الخاصة، منازل صغيرة، قلة في المحال والفنادق، وانتشار الدراجات وسير المواطنين على الأقدام.

صورة تختلف بصورة جذرية عن العاصمة الصينية التي يعرفها العالم اليوم.

الملامح

وكانت الصين في تلك المرحلة لا تزال تعيش آثار الثورة الثقافية التي قادها ماو تسي تونج، وكانت تحاول الانتقال من واقع اجتماعي واقتصادي صعب إلى طريق التنمية والتحديث.

ويستعيد الكاتب تفاصيل استقبال الوفد المصري، وحفاوة المسؤولين الصينيين، وصولًا إلى صورة ماو تسي تونج التي كانت تزين مطار بكين باعتباره رمزًا وأبًا روحيًا للصينيين.

ثم ينتقل إلى مشهد آخر أكثر دلالة؛ زيارة سور الصين العظيم، ثم السوق الحرة الذي كان مخصصًا في ذلك الوقت للدبلوماسيين والزوار الأجانب، وكان مبنى محدودًا من طابقين، قبل أن يصبح هذا المكان لاحقًا مجرد شاهد صغير على مرحلة تغيرت ملامحها بالكامل.

2001.. الصين التي تغيرت

بعد 26 عامًا، عاد عبد الله حسن إلى بكين، وكانت المفاجأة.

لم تعد العاصمة هي المدينة التي غادرها عام 1976.

ظهرت الأبراج الشاهقة، والفنادق الفاخرة، والمحال، والسيارات، وإشارات المرور، والمناطق الصناعية الحديثة.

وحين سأل عن السوق الحرة الذي كان قد زاره في رحلته الأولى، اكتشف أن المبنى أصبح صغيرًا للغاية مقارنة بالأبراج التي أحاطت به.

هذه المقارنة البصرية البسيطة ربما تكون أقوى ما في المقال كله؛ لأنها تختصر مسيرة التحول الصيني دون الحاجة إلى كثير من الأرقام.

فالمبنى الذي كان يمثل في السبعينيات نافذة على العالم الخارجي، أصبح بعد ربع قرن تقريبًا جزءًا هامشيًا من مشهد عمراني واقتصادي ضخم.

التكنولوجيا.. من صناعة محدودة إلى طموح عالمي

لم يقتصر التغيير الذي رصده الكاتب على العمران.

فخلال زيارته الثانية، شاهد منطقة صناعية ضخمة متخصصة في الصناعات الإلكترونية ووسائل الاتصال الحديثة.

وهنا تبدو إحدى أهم نقاط التحول الصيني: الانتقال من دولة تسعى إلى تجاوز الفقر إلى دولة تراهن على الصناعة والتكنولوجيا كأدوات لبناء القوة.

ويشير عبد الله حسن إلى تعليق المترجمة الصينية التي قالت، ضاحكة، إن مصر ما زالت دولة نامية وإن الطريق أمامها طويل للوصول إلى التقدم.

وبغض النظر عن المقارنة التي حملتها العبارة، فإنها تكشف عن تغير في نظرة الصين إلى نفسها وإلى موقعها في العالم.

من الصحافة إلى متابعة صعود الصين

تأتي الزيارة الثالثة عام 2005، عندما كان عبد الله حسن يرأس وكالة أنباء الشرق الأوسط، حيث تلقى دعوة من وكالة الأنباء الصينية «شينخوا».

وهنا تتجاوز الرحلة البعد الشخصي، لتتصل مباشرة بالتجربة المهنية للكاتب في مجال الإعلام.

وخلال هذه الزيارة، شاهد مزيدًا من مظاهر التقدم الصيني، خصوصًا في مجالات الإلكترونيات والأقمار الصناعية، وهي قطاعات ستصبح لاحقًا من أهم أدوات القوة الصينية.

ثم جاءت الزيارة الرابعة بعد عام واحد، لحضور افتتاح دورة الألعاب الأوليمبية في بكين عام 2008.

وهنا يصل المقال إلى ذروة المفارقة الزمنية.

فالكاتب الذي رأى الصين عام 1976، يعود ليشاهد في 2008 افتتاحًا أوليمبيًا ضخمًا، تبثه الأقمار الصناعية إلى العالم، ويقدم صورة لدولة أصبحت قادرة على تنظيم حدث عالمي بهذا الحجم.

«انظروا كيف كنا وكيف أصبحنا»

ربما تختصر الجملة الأخيرة التي ختم بها عبد الله حسن مقاله فلسفة التجربة كلها:

«انظروا كيف كنا وكيف أصبحنا».

هذه ليست مجرد عبارة عن الصين، وإنما هي سؤال مفتوح أمام الدول والمجتمعات التي تسعى إلى بناء مستقبلها.

فما يميز المقال أن صاحبه لم يتناول الصين من خلال قراءة نظرية أو تحليل اقتصادي مجرد، وإنما من خلال ذاكرة شاهد عاصر التحول.

لقد رأى الصين وهي تبدأ من نقطة مختلفة تمامًا، ثم عاد إليها بعد عقود ليجد دولة أخرى في المظهر والقدرات والطموح.

والدرس الأهم هنا ليس أن الصين أصبحت قوة كبرى فحسب، وإنما أن التحولات التاريخية الكبرى تحتاج إلى رؤية وإرادة وتراكم واستمرارية.

شهادة صحفية تتجاوز الذكريات

قيمة مقال عبد الله حسن أيضًا أنه يذكرنا بدور الصحافة في توثيق التاريخ.

فالصحفي الذي يسافر لتغطية حدث سياسي أو عسكري قد لا يدرك في لحظته أن التفاصيل التي يراها ستتحول بعد سنوات إلى وثيقة مهمة.

صورة الشوارع، السيارات، المباني، الناس، المصانع، الأسواق، وحتى تفاصيل الاستقبال الرسمي؛ كلها تتحول مع مرور الزمن إلى مواد تساعد الأجيال التالية على فهم حجم التغيير.

ومن هنا تأتي أهمية هذا النوع من الكتابة الصحفية التي تمزج بين الذاكرة والتجربة والتحليل.

فالصين التي رآها عبد الله حسن عام 1976 ليست هي الصين التي شاهدها في 2001 أو 2005 أو 2008، والفارق بين هذه الصور الأربع هو في حد ذاته قصة تستحق التوقف أمامها.

طالع المزيد: عبد الله حسن: لماذا تراهن مصر على الصين؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى