الصين تحاصر العقوبات الأمريكية بشبكة أوراسية.. وتعيد رسم الجغرافيا السياسية
مصادر – وحدة الدراسات الخارجية
لم تعد المواجهة بين الصين والولايات المتحدة تدور فقط حول التجارة والتكنولوجيا والرسوم الجمركية، بل تتجه تدريجيًا إلى معركة أوسع حول شكل النظام الدولي نفسه: من يحدد قواعد التمويل؟ ومن يملك مفاتيح التجارة والطاقة؟ وهل يستطيع الدولار أن يظل الأداة الرئيسية للضغط السياسي والاقتصادي في عالم تتسع فيه البدائل؟
وفي هذا السياق، اكتسبت قمة منظمة شنغهاي للتعاون في العاصمة القرغيزية بيشكيك، في الأول من سبتمبر 2026، أهمية تتجاوز جدول أعمالها الرسمي. فقد اجتمع الرئيس الصيني شي جين بينج مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان، إلى جانب قادة دول أخرى، في لحظة دولية شديدة الاضطراب، بينما كانت المنظمة تحتفل بمرور 25 عامًا على تأسيسها.
«إعلان بيشكيك»
وأقرت القمة «إعلان بيشكيك» وعددًا كبيرًا من وثائق التعاون في مجالات الأمن والاقتصاد والطاقة والاتصال والبنية التحتية، فيما دعا شي إلى بناء نظام عالمي «أكثر عدلًا وإنصافًا» وتعزيز التعاون في التجارة والاستثمار والتمويل وسلاسل الإمداد.
المشهد في بيشكيك كان واضح الدلالة: الصين لا تقدم نفسها باعتبارها طرفًا في تحالف عسكري مضاد للولايات المتحدة، وإنما باعتبارها مركزًا لشبكة اقتصادية وسياسية تستطيع الدول من خلالها توسيع هامش حركتها بعيدًا عن الاعتماد الكامل على المؤسسات الغربية.
من العقوبات إلى بناء البديل
أحد أهم الملفات التي تتحرك فيها بكين هو إنشاء آليات تمويل إقليمية تقلل الاعتماد على النظام المالي الغربي.
فكرة بنك تنمية تابع لمنظمة شنغهاي ليست جديدة، لكنها دخلت مرحلة أكثر جدية خلال العامين الأخيرين. وكانت قمة تيانجين عام 2025 قد أقرت التوافق السياسي على إنشاء البنك، فيما استمرت المشاورات الفنية خلال 2026، وعقدت في مايو الماضي جولة ثالثة من المشاورات في بيشكيك بمشاركة ممثلين عن 20 دولة. ولم يتحول البنك بعد إلى مؤسسة مالية عاملة، وهو ما يجعل الحديث عنه باعتباره «بديلًا جاهزًا» للبنك الدولي أو النظام المالي القائم سابقًا لأوانه.
لكن مجرد استمرار المشاورات يعكس تغيرًا مهمًا في التفكير داخل المنظمة: الحاجة إلى أدوات تمويل إقليمية قادرة على دعم مشروعات البنية التحتية والتجارة، خصوصًا في دول أصبحت أكثر تعرضًا للعقوبات أو تسعى إلى تقليل مخاطر الاعتماد على الدولار.
والأهم أن مصر دخلت بالفعل في المشاورات المتعلقة بالبنك. ففي 31 أغسطس، عشية قمة بيشكيك، بحث نائب رئيس الوزراء المصري للشؤون الاقتصادية حسين عيسى مع الأمين العام لمنظمة شنغهاي نولان يرميكباييف آفاق التعاون، وكان من بين الملفات المطروحة مشاركة مصر في مشاورات إنشاء بنك التنمية.
وهنا تظهر دلالة مهمة: البديل الذي تعمل الصين على بنائه لا يستهدف فقط روسيا وإيران، وإنما يمكن أن يمتد إلى دول ترتبط بعلاقات متوازنة مع الغرب والصين في الوقت نفسه.
مصر.. الحلقة التي تربط آسيا بأفريقيا وأوروبا
من هنا تكتسب مصر أهمية خاصة في الحسابات الصينية.
فزيارة شي جين بينج إلى القاهرة في سبتمبر 2026، وهي الأولى له منذ عشر سنوات، جاءت بالتزامن مع الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية المصرية-الصينية، وفي أعقاب قمة منظمة شنغهاي مباشرة.
وخلال الزيارة، اتفق الرئيسان عبد الفتاح السيسي وشي على تعميق الشراكة الاستراتيجية الشاملة، ودعم التعاون في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، والتوسع في مجالات التصنيع والطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وسلاسل الإمداد. كما أكدا أهمية زيادة استخدام العملات المحلية في التجارة والاستثمار.
والأرقام تعطي لهذا التعاون بعدًا عمليًا
فمنطقة قناة السويس الاقتصادية اجتذبت خلال السنوات الأخيرة استثمارات بلغت نحو 11.6 مليار دولار، كان نحو نصفها من شركات صينية، وفق بيانات الهيئة. كما أصبحت المنطقة منصة رئيسية لتوطين صناعات صينية في مصر وربط الإنتاج بالأسواق الأفريقية والأوروبية. ([الهيئة العامة للاستعلامات][5])
وفي يونيو 2026، جدد البنك المركزي المصري وبنك الشعب الصيني اتفاقية مبادلة العملات المحلية ورفع قيمتها من 18 مليار يوان إلى 30 مليار يوان لمدة ثلاث سنوات، بهدف تسهيل التجارة والاستثمار وتعزيز استخدام الجنيه واليوان في المعاملات الثنائية.
كما أكدت القاهرة وبكين في البيان المشترك الصادر عقب زيارة شي أهمية سندات «الباندا» وتوسيع استخدام العملات المحلية في التجارة والاستثمار، إلى جانب دعم مشروعات الصناعة والبنية التحتية والتحول الأخضر والرقمي.
وبذلك لا تبدو مصر مجرد محطة دبلوماسية في جولة الرئيس الصيني، وإنما جزء من تصور أوسع لدور القاهرة كحلقة وصل بين آسيا وأفريقيا وأوروبا.
طريق بري في قلب أوراسيا
وفي آسيا الوسطى، تراهن بكين على شبكة واسعة من مشروعات البنية التحتية التي تمنحها طرقًا إضافية للتجارة والطاقة.
ويأتي مشروع السكك الحديدية بين الصين وقرغيزستان وأوزبكستان في مقدمة هذه المشروعات، إلى جانب الممرات التي تربط الصين بآسيا الوسطى وإيران وتركيا.
ولا يعني ذلك أن الصين تستطيع الاستغناء عن الطرق البحرية؛ فهي لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على النقل البحري في تجارتها ووارداتها النفطية. لكن امتلاك طرق برية بديلة يمنحها هامشًا إضافيًا للمناورة في حال تعرض الممرات البحرية لأزمات أو اضطرابات جيوسياسية.
وتتصل هذه الحسابات بالطاقة الروسية أيضًا.
فمشروع خط الغاز المعروف سابقًا باسم «قوة سيبيريا-2»، والذي أعيدت تسميته في سبتمبر إلى «قوة بايكال»، يستهدف نقل نحو 50 مليار متر مكعب من الغاز الروسي سنويًا إلى الصين عبر منغوليا. لكن المشروع لا يزال يواجه خلافات بشأن الأسعار وشروط التعاقد، وهو ما يعكس في الوقت نفسه اعتماد موسكو المتزايد على السوق الصينية وقدرة بكين على التفاوض من موقع أقوى.
وهنا تكمن إحدى أهم سمات العلاقة الصينية-الروسية: التقارب الاستراتيجي لا يعني التكافؤ الاقتصادي. فروسيا تحتاج إلى الصين باعتبارها سوقًا ضخمة للطاقة ومصدرًا رئيسيًا للتجارة والتكنولوجيا، بينما تستطيع بكين الاستفادة من حاجة موسكو إلى إعادة توجيه صادراتها بعيدًا عن الأسواق الغربية للحصول على شروط أكثر ملاءمة.
إيران.. من دولة معاقبة إلى جزء من شبكة أوراسية
أما إيران، فتحتل موقعًا أكثر حساسية.
فوجود الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان في قمة بيشكيك إلى جانب شي وبوتين يبعث برسالة سياسية مفادها أن العقوبات لم تؤدِ إلى عزل طهران بالكامل.
لكن من الخطأ أيضًا تصوير إيران باعتبارها تخلصت من آثار العقوبات؛ فالاقتصاد الإيراني لا يزال يواجه قيودًا شديدة على التجارة والتمويل والطاقة، وتظل طهران بحاجة إلى قنوات محدودة ومعقدة للوصول إلى الأسواق الخارجية.
ما تغير هو أن إيران باتت تمتلك شبكة أوسع من الشركاء والمسارات البديلة، خصوصًا مع الصين وروسيا ودول آسيوية أخرى.
وهذا هو الجانب الذي يهم بكين: العقوبات الأمريكية، بدل أن تمنع تمامًا حركة التجارة، يمكن أن تدفع بعض الدول إلى البحث عن آليات دفع وتسوية ومسارات نقل لا تمر بالضرورة عبر المؤسسات الغربية.
عصر الدولار
لكن هل انتهى عصر الدولار؟ هنا يجب التوقف أمام المبالغات.
الصين تعمل بالفعل على توسيع استخدام اليوان وأنظمة الدفع البديلة، لكنها لم تبنِ بعد نظامًا ماليًا عالميًا قادرًا على إزاحة الدولار.
ومنظومة «CIPS» الصينية تتوسع وتزداد أهميتها في المدفوعات العابرة للحدود، لكن ذلك لا يعني أنها أصبحت بديلًا كاملًا عن شبكة «سويفت» أو عن النظام المالي القائم على الدولار.
والأمر نفسه ينطبق على بنك تنمية منظمة شنغهاي؛ فهو لا يزال في مرحلة التأسيس والمشاورات، وليس مؤسسة تمويل دولية عاملة يمكن مقارنتها بالبنك الدولي أو بنوك التنمية القائمة.
إلا أن أهمية هذه الخطوات تكمن في اتجاهها وليس في حجمها الحالي.
فكل اتفاق لمبادلة العملات، وكل تسوية تجارية باليوان، وكل مشروع بنية تحتية يربط الصين بآسيا الوسطى وإيران وأفريقيا، يمثل لبنة إضافية في بناء شبكة تقلل الاعتماد على النظام المالي الغربي.
واشنطن أمام معضلة العقوبات
المشكلة بالنسبة إلى الولايات المتحدة أن العقوبات المالية تظل واحدة من أقوى أدوات النفوذ الأمريكي، لكنها تصبح أقل فاعلية كلما اتسعت قدرة الدول المستهدفة على إيجاد بدائل.
والمعضلة أكثر تعقيدًا عندما يتعلق الأمر بالصين، ثاني أكبر اقتصاد في العالم وشريك تجاري رئيسي لمعظم الاقتصادات العالمية.
ففرض عقوبات مالية شديدة على مؤسسات صينية كبرى قد يفرض تكاليف على بكين، لكنه قد يفرض أيضًا صدمة على الأسواق وسلاسل الإمداد العالمية.
وفي الوقت نفسه، تمتلك الصين أوراق ضغط مقابلة، من بينها موقعها المحوري في سلاسل توريد المعادن الحيوية والتكنولوجيات الصناعية.
ولهذا فإن استخدام العقوبات ضد الصين يختلف جذريًا عن استخدامها ضد اقتصاد أصغر أو دولة معزولة.
حتى «صفقة فنزويلا» تحمل رسالة مقابلة
في الجانب الآخر من المشهد، تتحرك واشنطن أيضًا لتأمين مصالح استراتيجية في الطاقة.
فالاتفاق الأمريكي مع فنزويلا، الذي أعلنت عنه إدارة ترامب في أغسطس، يتضمن حقوقًا لمدة 100 عام لتطوير 17 حقلًا نفطيًا تقدر احتياطياتها المؤكدة بنحو 65 مليار برميل، مع ترتيبات تمنح الولايات المتحدة حقوقًا اقتصادية وإدارية واسعة.
وأعلنت واشنطن أن الاتفاق يستهدف إعادة بناء قطاع النفط الفنزويلي وتعزيز أمن الطاقة الأمريكي.
لكن هذه الخطوة لا تعني بالضرورة نجاح سياسة «الاستحواذ على الموارد» كما يصورها بعض الخطاب السياسي؛ فإعادة تأهيل الصناعة النفطية الفنزويلية تحتاج إلى استثمارات ضخمة وبنية تحتية وإطار سياسي وقانوني مستقر، فيما أثارت الصفقة بالفعل جدلًا داخل الولايات المتحدة وفنزويلا.
وبالتالي، فإن المواجهة بين واشنطن وبكين لا تدور فقط حول العقوبات، وإنما حول سؤال أوسع: من يمتلك القدرة على بناء شبكات طويلة الأجل تجعل الآخرين أكثر اعتمادًا عليه؟
بيشكيك والقاهرة.. خيط واحد
إذا وضعت قمة بيشكيك وزيارة شي للقاهرة في إطار واحد، تظهر صورة أكثر وضوحًا.
في بيشكيك، تدفع الصين باتجاه تعزيز منظمة إقليمية تمتد عبر آسيا وتجمع دولًا كبيرة في السكان والموارد والطاقة.
وفي القاهرة، تدعم الصين توسيع التعاون الصناعي واللوجستي والمالي مع دولة تقع عند نقطة التقاء آسيا وأفريقيا وأوروبا.
وبينهما تتحرك شبكة من السكك الحديدية وخطوط الطاقة والموانئ والمناطق الصناعية واتفاقات العملات المحلية.
وهذه ليست منظومة مكتملة بعد، لكنها تتشكل تدريجيًا.
كما أن مصر نفسها لا تتعامل مع الصين باعتبارها بديلًا وحيدًا عن الولايات المتحدة، وإنما في إطار سياسة تنويع الشراكات والحفاظ على علاقات استراتيجية متعددة. ومشاركة القاهرة في قمة منظمة شنغهاي، إلى جانب استمرار علاقاتها مع واشنطن وأوروبا، تعكس هذا النهج المتوازن.
نهاية زمن العقوبة بلا بديل؟
ربما تكون الخلاصة الأهم أن عصر العقوبات الأمريكية لم ينتهِ، لكن عصر العقوبة التي لا يجد الطرف المستهدف أمامها أي بديل يتآكل تدريجيًا.
فالصين لا تحتاج في هذه المرحلة إلى إسقاط الدولار حتى تحقق مكاسب استراتيجية؛ يكفيها أن تجعل بعض التجارة والطاقة والاستثمار قادرًا على العمل خارجه.
ولا تحتاج منظمة شنغهاي إلى التحول فورًا إلى «ناتو اقتصادي»؛ يكفي أن تنتقل تدريجيًا من منتدى سياسي إلى شبكة أكثر كثافة من التمويل والتجارة والبنية التحتية.
ولا تحتاج مصر إلى الانضمام إلى محور ضد الولايات المتحدة؛ يكفي أن تستخدم موقعها الجغرافي وعلاقاتها المتعددة لجذب الاستثمارات والتكنولوجيا وتمويل المشروعات وفتح أسواق جديدة.
وهنا تكمن التحولات الحقيقية.
العالم لا ينتقل بين ليلة وضحاها من نظام أمريكي إلى نظام صيني، ولا تختفي هيمنة الدولار بمجرد زيادة استخدام اليوان. لكن ما يحدث هو شيء أكثر تعقيدًا: “تعدد مراكز القوة، وتعدد طرق التجارة، وتعدد قنوات التمويل، وتراجع قدرة أي قوة منفردة على التحكم الكامل في حركة الاقتصاد العالمي”.
ومن هذه الزاوية، تصبح قمة بيشكيك وزيارة شي للقاهرة جزءًا من قصة واحدة: الصين لا تعلن نهاية النظام الذي تقوده واشنطن، لكنها تعمل على بناء عالم تصبح فيه قدرة واشنطن على معاقبة الآخرين أقل حسمًا مما كانت عليه من قبل.
وبقدر ما تستخدم الولايات المتحدة أدواتها الاقتصادية لفرض الانضباط على خصومها، بقدر ما تدفع بعض هؤلاء الخصوم إلى الاستثمار في بدائلها.
وهذه هي المفارقة الكبرى في معركة الجغرافيا السياسية الجديدة: قد لا يكون أكبر خطر على النظام المالي الذي تقوده واشنطن هو ظهور بديل مكتمل، وإنما تراكم البدائل الصغيرة التي تجعل الاعتماد على هذا النظام أقل ضرورة عامًا بعد عام.





