تقرير: 110 منشأة.. كيف تمدد النفوذ العسكري الأمريكي داخل أستراليا؟

مصادر – موقع بيان الإخبارى

كشفت بيانات حديثة عن اتساع نطاق الحضور العسكري والدفاعي الأمريكي في أستراليا، مع وصول عدد المنشآت الأسترالية التي يملك الجيش الأمريكي أو شركات الدفاع الأمريكية حق الوصول إليها أو السيطرة عليها إلى 110 منشآت، أي أكثر من نصف المنشآت العسكرية والدفاعية في البلاد، وفق تحقيق نشرته صحيفة «الجارديان» اعتمادًا على قاعدة بيانات أعدها معهد Nautilus Institute.

وتشير البيانات المنشورة في 6 سبتمبر 2026 والمحدثة في اليوم التالي، إلى أن الوجود الأمريكي لا يأخذ شكل قواعد أمريكية مستقلة فقط، وإنما يمتد إلى منشآت تديرها أستراليا ويستخدمها الجيش الأمريكي، فضلًا عن مواقع تدخل شركات الدفاع الأمريكية في تشغيلها أو اختبار وإنتاج الأسلحة بها.

17 منشأة تحت السيطرة الأمريكية

وبحسب قاعدة البيانات، يسيطر الجيش الأمريكي على 17 منشأة في أستراليا، بينما يمتلك حق الوصول إلى 75 منشأة أخرى تديرها قوات الدفاع الأسترالية، في حين تتمتع شركات الدفاع الأمريكية بإمكانية الوصول إلى 18 منشأة إضافية.

وتوضح بيانات «الجارديان» أن التصنيف التفصيلي يشمل 24 منشأة أسترالية يتاح فيها الوصول للجيش الأمريكي والشركات الدفاعية الأمريكية معًا، و51 منشأة للجيش الأمريكي، و18 منشأة للشركات الدفاعية الأمريكية، إلى جانب 41 منشأة لا يظهر فيها وصول أمريكي كبير و17 منشأة لم يُحسم مستوى الوصول الأمريكي إليها.

ويرى الباحث ريتشارد تانتر، الذي أعد قاعدة البيانات بالتنسيق مع معهد Nautilus، أن حجم الانتشار لم يعد مجرد «اختراق» للمنظومة الدفاعية الأسترالية، وإنما وصل، بحسب وصفه، إلى مرحلة من «التشبع»، مع وجود عسكري أو مؤسسي أمريكي في أكثر من نصف المنشآت التي شملتها الدراسة.

Pine Gap.. عين أمريكية في قلب أستراليا

وتبرز قاعدة Pine Gap، الواقعة في وسط أستراليا، باعتبارها أحد أهم المواقع المشتركة بين البلدين وأكثرها حساسية؛ إذ تؤدي منشآتها أدوارًا مرتبطة بتتبع الأقمار الصناعية والاستخبارات الإشارية والإنذار المبكر لإطلاق الصواريخ واعتراض الاتصالات، كما توفر معلومات يمكن استخدامها في عمليات الاستهداف للقوات الأمريكية حول العالم.

وتشير «الجارديان» إلى أن Pine Gap تُصنف في قاعدة البيانات باعتبارها ثلاث منشآت منفصلة رغم وجودها في موقع واحد، وأن الموقع يُدار رسميًا باعتباره منشأة دفاعية مشتركة، لكنه يخضع للقيادة الأمريكية.

ولا يقتصر الحضور الأمريكي على جمع المعلومات؛ فهناك منشآت تستخدم في التدريب، والتمركز المسبق للأسلحة والذخائر والوقود، والدعم اللوجستي استعدادًا لأي صراع محتمل في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. كما يجري تطوير بعض المنشآت الأسترالية لاستيعاب طائرات أمريكية استراتيجية.

ومن بين التطورات الجديدة، أعلنت أستراليا في يونيو الماضي إنشاء قاعدة لوجستية أمريكية في Wodonga بولاية فيكتوريا، لتخزين أسلحة وذخائر ووقود ومركبات أمريكية بهدف إتاحة نشرها سريعًا في حال اندلاع صراع في منطقة المحيط الهادئ.

شركات السلاح الأمريكية حاضرة أيضًا

ويمتد التعاون إلى قطاع الصناعات الدفاعية؛ إذ تشير البيانات إلى وصول شركات أمريكية كبرى إلى عشرات المنشآت الأسترالية لأغراض التصنيع والاختبار والتدريب.

ومن بين هذه الأنشطة، تجميع صواريخ موجهة بواسطة Lockheed Martin في منشأة Port Wakefield بجنوب أستراليا، بينما حصلت Northrop Grumman على عقد لبناء محركات صواريخ للأسلحة الموجهة في Mulwala بولاية نيو ساوث ويلز. وتقول وزارة الدفاع الأسترالية إن هذا التعاون يهدف إلى تعزيز قابلية التشغيل البيني بين الحلفاء وتوفير مصادر إضافية للإمدادات الدفاعية الحيوية.

اتفاقية تسمح بالوصول إلى المنشآت

ويستند جزء كبير من هذا التعاون إلى اتفاقية وضع القوات الأمريكية الأسترالية، التي أبرمتها كانبيرا وواشنطن عام 2014. وتنص الاتفاقية على السماح للقوات والشركات الأمريكية بالوصول إلى المنشآت والمناطق المتفق عليها واستخدامها، مع التأكيد رسميًا على احترام السيادة والقوانين الأسترالية.

وفي أحدث خطوات التعاون، أعلنت وزارة الدفاع الأسترالية في يونيو 2026 أن ترتيبات وجود القوات الأمريكية، بما فيها قوة الغواصات المتناوبة في غرب أستراليا، تتم في إطار الاتفاقية وبصورة دورية وبموافقة أستراليا، مع تأكيد الحكومة أن ذلك لا يعني إنشاء قواعد أجنبية على الأراضي الأسترالية.

وتؤكد الحكومة الأسترالية أن قواتها تحتفظ بالسيطرة على أراضيها وقرار نشر قوات الدفاع الأسترالية، كما يقول وزير الدفاع ريتشارد مارلز إن أي نشاط جديد أو مختلف للقوات الأمريكية داخل البلاد يتطلب معرفة وموافقة الحكومة الأسترالية.

AUKUS يزيد عمق الشراكة

ويأتي هذا التوسع في إطار شراكة دفاعية أوسع بين أستراليا والولايات المتحدة، وفي مقدمتها اتفاق AUKUS، الذي يتضمن التعاون في مجال الغواصات العاملة بالطاقة النووية.

وأعلنت أستراليا في يونيو أن قوة الغواصات الأمريكية المتناوبة ستعمل من قاعدة HMAS Stirling في غرب البلاد، مع إنشاء نشاط دعم بحري للقوات الأمريكية والمتعاقدين وعائلات العسكريين المشاركين في عمليات التناوب. وتقول كانبيرا إن الترتيبات تخدم أيضًا بناء قدراتها الذاتية في مجال صيانة وتشغيل الغواصات النووية مستقبلًا.

من الردع إلى مخاوف الانجرار للحرب

وبينما تعتبر الحكومة الأسترالية الوجود الأمريكي عنصرًا أساسيًا في ردع الصراعات وتعزيز الأمن القومي، فإن اتساع البصمة العسكرية الأمريكية أثار جدلًا داخليًا بشأن حدود الاستقلال في القرار الدفاعي واحتمال تحول الأراضي الأسترالية إلى منصة للعمليات الأمريكية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

وتكتسب هذه المخاوف أهمية خاصة مع تركيز الاستراتيجية الدفاعية الأمريكية والأسترالية على مواجهة تنامي القوة العسكرية الصينية في المنطقة. ونقلت «الجارديان» عن محللين تحذيرات من أن الاعتماد المتزايد على المنشآت الأسترالية قد يجعل كانبيرا أكثر ارتباطًا بأي مواجهة مستقبلية بين واشنطن وبكين.

وفي المقابل، تؤكد الحكومة الأسترالية أن التحالف مع الولايات المتحدة يظل ركيزة أساسية لأمن البلاد، وأن التعاون العسكري يتيح لأستراليا تعزيز قدراتها الدفاعية بما يتجاوز ما يمكنها تحقيقه منفردة.

تراجع الثقة الشعبية في واشنطن

ويأتي الجدل حول الانتشار العسكري الأمريكي في وقت تشهد فيه ثقة الأستراليين بالولايات المتحدة تراجعًا لافتًا. وأظهر استطلاع معهد Lowy لعام 2026 أن نسبة الأستراليين الذين يثقون في الولايات المتحدة للتصرف بمسؤولية في العالم انخفضت إلى 31%، وهي أدنى نسبة يسجلها الاستطلاع منذ بدء هذا القياس، بتراجع 5 نقاط مئوية عن 2025 و25 نقطة عن 2024.

وفي الوقت نفسه، لا يعني ذلك رفض التحالف الأمريكي بالكامل؛ إذ أظهر الاستطلاع أن 73% من الأستراليين ما زالوا يعتبرون التحالف مع الولايات المتحدة مهمًا لأمن بلادهم، بينما يرى 63% أن واشنطن ستدافع عن أستراليا إذا تعرضت لهجوم.

وهكذا تقف أستراليا أمام معادلة دقيقة: تحالف عسكري تعتبره الحكومة ضروريًا للردع، وانتشار أمريكي يتسع من القواعد والاستخبارات إلى اللوجستيات والصناعات الدفاعية، في مقابل مخاوف داخلية من أن يؤدي هذا الاندماج المتزايد إلى تقليص هامش القرار المستقل أو جعل أستراليا طرفًا في صراعات لا تختارها بنفسها.

طالع المزيد: أمريكا تعرض أحدث تقنيات الطيران والدفاع في معرض مصر 2026

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى