كيف صنعت CIA رواية أسلحة الدمار الشامل لغزو العراق؟

كتب: ياسين عبد العزيز

شهدت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA تحولًا كبيرًا في أسلوب عملها بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، وانتقلت من التركيز على جمع المعلومات والتجسس إلى المشاركة المباشرة في عمليات مكافحة الإرهاب، وإدارة برامج الاعتقال والسجون السرية، بالتزامن مع توسع إدارة الرئيس جورج بوش الابن في تنفيذ ما أطلقت عليه اسم الحرب على الإرهاب.

السعودية تدين بشدة الاعتداءات على إقليم كردستان العراق

واتجهت الإدارة الأمريكية، بعد انتهاء المرحلة الأولى من الحرب في أفغانستان، نحو العراق، ووضعت نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين ضمن أولويات سياستها الأمنية، رغم عدم وجود أدلة تثبت وجود علاقة مباشرة بين بغداد وتنظيم القاعدة، كما لم تكن الأجهزة الأمريكية قد توصلت إلى معلومات مؤكدة تثبت استمرار العراق في تطوير أسلحة دمار شامل بعد انتهاء حربه مع إيران.

وكلفت الإدارة الأمريكية أجهزة الاستخبارات بجمع المعلومات المتعلقة بالقدرات العسكرية العراقية، وبدأت فرق ميدانية في البحث عن أدلة يمكن استخدامها لإثبات امتلاك بغداد أسلحة دمار شامل، بينما أشارت تقارير أعدها عدد من ضباط الاستخبارات إلى عدم العثور على تلك الأسلحة، وبرزت أسماء مسؤولين داخل CIA أكدوا نتائج ميدانية لم تتوافق مع التوجه الذي كانت تسير فيه الإدارة الأمريكية.

وأفادت التقارير التي أعدها مسؤولون في الوكالة، من بينهم فاليري بليم وروبرت جرينيه، بعدم وجود أدلة تؤكد امتلاك العراق لترسانة من أسلحة الدمار الشامل، كما أشارت التقييمات الميدانية إلى غياب المعلومات التي يمكن الاستناد إليها لإثبات استمرار برامج تطوير تلك الأسلحة، إلا أن هذه النتائج لم تتصدر الخطاب السياسي الأمريكي في الفترة التي سبقت الغزو.

واتجهت قيادة وكالة الاستخبارات إلى الاعتماد على معلومات أخرى لتدعيم الرواية الخاصة بوجود أسلحة محظورة في العراق، واستبعدت بعض التقييمات التي لم تتوافق مع الاتجاه العام داخل الإدارة الأمريكية، كما جرى الاعتماد على مصادر وشهادات أثارت لاحقًا جدلًا واسعًا بشأن مدى دقتها ومدى إمكانية الاستناد إليها في اتخاذ قرار عسكري بهذا الحجم.

واعتمدت واشنطن بصورة أساسية على معلومات قدمها المهندس العراقي المنشق رافد علوان، المعروف باسم كيرف بول، والذي تحدث عن وجود منشآت وبرامج مرتبطة بإنتاج أسلحة محظورة، قبل أن تكشف التقييمات اللاحقة عدم صحة عدد كبير من ادعاءاته، وتصبح شهادته واحدة من أبرز الأمثلة التي ارتبطت بالمعلومات التي سبقت غزو العراق.

وتجاهلت الإدارة الأمريكية كذلك نتائج الدبلوماسي جوزيف ويلسون، الذي تناول الادعاءات الخاصة بسعي العراق إلى شراء اليورانيوم من النيجر، وخلص إلى عدم صحة المعلومات التي استندت إليها تلك المزاعم، بينما استمرت القضية في الظهور ضمن النقاشات السياسية الأمريكية المرتبطة ببرنامج العراق النووي المزعوم.

وأدرج الرئيس جورج بوش الابن هذه الادعاءات ضمن خطاب حالة الاتحاد لعام 2003، وجرى تقديم ملف أسلحة الدمار الشامل باعتباره أحد المبررات الرئيسية للتحرك ضد العراق، في الوقت الذي كانت فيه الإدارة الأمريكية تدفع باتجاه الخيار العسكري وتبحث عن دعم سياسي دولي لخطتها.

وانطلقت القوات الأمريكية نحو العراق في 2003 دون صدور تفويض جديد من مجلس الأمن يسمح باستخدام القوة العسكرية، وبدأت عملية الغزو التي أدت إلى إسقاط نظام صدام حسين، ثم دخلت البلاد مرحلة الاحتلال وإعادة تشكيل مؤسسات الدولة وسط استمرار الجدل بشأن المبررات التي قدمتها واشنطن للرأي العام قبل الحرب.

وواصلت فرق التفتيش والجهات المعنية بالبحث عن الأسلحة عملها بعد الغزو، ولم تعثر القوات الأمريكية على مخزونات أسلحة دمار شامل بالمستوى الذي تحدثت عنه الإدارة الأمريكية قبل الحرب، لتتحول المعلومات الاستخباراتية التي سبقت الغزو إلى محور رئيسي في التحقيقات والمراجعات التي تناولت أسباب الحرب ودقة التقييمات التي استندت إليها واشنطن.

وكشفت المراجعات اللاحقة عن مشكلات واسعة في طريقة جمع المعلومات وتحليلها وتقييم مصادرها، كما سلطت الضوء على دور المعلومات غير الموثوقة في صياغة التصورات الأمريكية بشأن القدرات العسكرية العراقية، بينما ظل غياب أسلحة الدمار الشامل بعد الغزو أحد أبرز الملفات التي أثارت تساؤلات حول الطريقة التي جرى بها تقديم المعلومات للرأي العام وصناع القرار.

وارتبطت تداعيات هذه القضية لاحقًا بنقاش واسع داخل الولايات المتحدة وخارجها حول مسؤولية أجهزة الاستخبارات والسياسيين عن تقييم المعلومات قبل اتخاذ قرار الحرب، كما أثارت قضية العراق تساؤلات بشأن حدود استخدام التقارير السرية والمصادر غير الموثوقة في صياغة السياسات الخارجية، خاصة عندما ترتبط هذه المعلومات بقرارات عسكرية تؤثر على دول وشعوب لسنوات طويلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى