أنقرة تتهم تل أبيب بمخططات «التجزئة».. التنافس الإقليمي على رسم جغرافيا المشرق العربي

مصادر – موقع بيان الإخبارى

انتقلت العلاقات التركية – الإسرائيلية من مربع التباينات السياسية المعتادة حول الأزمات الإقليمية إلى مستوى استراتيجي أكثر عمقاً، يتجسد في صراع مكتوم على قواعد تشكيل «النظام الإقليمي الجديد» في الشرق الأوسط.

وتكشف التطورات الميدانية والسياسية المتلاحقة أن العاصمة السورية دمشق باتت تُمثل نقطة التقاطع والحراك الأكثر حساسية بين مشروعين متنافسين لإدارة الفراغ ورسم التوازنات الأمنية والاقتصادية بالمنطقة.

وتأتي التصريحات الأخيرة لرئيس البرلمان التركي، نعمان قورتولموش، لتعكس الجوهر الاستراتيجي لهذا الخلاف؛ حيث اتهم إسرائيل بالعمل على «تجزئة وتقسيم المنطقة» تحت إطار ما يُسمى بـ«أرض الميعاد»، مقابل رؤية تركية تتمسك بـ«الوحدة والتكامل» الإقليمي وإعادة بناء مؤسسات الدولة المركزية في سوريا.

سوريا الجديدة.. تغير خريطة النفوذ وتضارب المصالح

أفرز المشهد السياسي الجديد في سوريا واقعاً استراتيجياً مغايراً أدى إلى انكفاء نفوذ بعض الأطراف الإقليمية، مما فتح المجال أمام صعود دور محوري لأنقرة كداعم أساسي لإعادة هيكلة مؤسسات الدولة السورية وبناء جيش وطني موحد.

وفي المقابل، تحركت إسرائيل ميدانياً في الجنوب السوري لفرض مناطق عازلة وواقع أمني يمنع نشوء أي قوة عسكرية سورية جديدة قرب حدودها.

الرؤية التركية والرؤية الإسرائيلية

ويتجلى التناقص في الرؤيتين عبر محورين استراتيجيين: الرؤية التركية (دولة مركزية وممر اقتصادي): تنظر أنقرة إلى الأراضي السورية باعتبارها «الحزام الجيوسياسي» الحاكم للروابط الممتدة من الأناضول نحو الخليج العربي والأردن وشرق المتوسط. وتسعى تركيا لتثبيت سيادة دمشق على كامل أراضيها، ودمج التشكيلات المسلحة، وتأمين الحدود الجنوبية للقضاء على أي تهديدات لـ«حزب العمال الكردستاني» أو «قوات سوريا الديمقراطية»، فضلاً عن فتح ممرات تجارية ولوجستية حيوية.

الرؤية الإسرائيلية (المجال الأمني والاستباق): تستند الاستراتيجية الإسرائيلية إلى مفهوم التفوق العسكري والضربات الاستباقية؛ حيث تُفضل تعميق أمنها المباشر وفرض قيود على القوة العسكرية للجمهورية السورية، والتعامل مع الكيانات الحدودية الهشة لمنع تحول سوريا إلى حليف قوي ومكتمل الأركان لأنقرة وحلفائها الإقليميين.

حرب باردة ومواجهة في «المنطقة الرمادية»

يؤكد خبراء ومحللون استراتيجيون أن التنافس التركي – الإسرائيلي لا يتجه نحو مواجهة عسكرية مباشرة؛ بالنظر إلى عضوية أنقرة في حلف شمال الأطلسي (الناتو) وتداخل المصالح الجيوسياسية والعلاقات مع واشنطن.

وبدلاً مما سبق، يدور الصراع في «منطقة رمادية» تعتمد على أساليب الحرب الباردة، وفي مقدمتها: التنافس الاستخباراتي، وحرب السرديات، والصراع على الممرات التجارية للطاقة والنقل.

ويتوقف مستقبل التوازن الإقليمي في المشرق العربي على مدى نجاح الدبلوماسية الدولية في وضع قواعد اشتباك واضحة بين أنقرة وتل أبيب داخل الساحة السورية؛ حيث تتأرجح المعادلة بين سيناريو بناء دولة سورية موحدة ذات مؤسسات سيادية، أو البقاء في دائرة مناطق النفوذ المتصارعة التي تُبقي الشرق الأوسط في حالة سيولة أمنية وسياسية مستمرة.

طالع المزيد: سوريا.. انفجارات متتالية تهز جنوب حلب وإصابات وقطع طريق حلب دمشق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى