عيد القوات الجوية.. عبد الله حسن يستحضر قبساً من ملحمة أكتوبر

كتب: على طه

فى التالى نقدم قراءة في مقال الكاتب الصحفي الكبير عبد الله حسن المنشور بموقع «فيتو» بعنوان «عيد القوات الجوية ويوم العبور العظيم»

تتجاوز ذكرى انتصارات السادس من أكتوبر حدود استعادة حدث عسكري فارق في تاريخ مصر الحديث، لتفتح الباب أمام قراءة أوسع لعلاقة النصر العسكري بالوعي الوطني، ولدور القوات المسلحة في حماية الدولة وصون مقدراتها في مواجهة التحديات المتغيرة. ومن هذا المنطلق، يستعيد الكاتب الصحفي الكبير عبد الله حسن، في مقاله المنشور بموقع «فيتو» تحت عنوان «عيد القوات الجوية ويوم العبور العظيم»، جانبًا مهمًا من ملحمة أكتوبر، مسلطًا الضوء على الدور المحوري الذي أدته القوات الجوية المصرية في التمهيد لعبور قناة السويس، وعلى ما قدمه الطيارون المصريون من بطولات في مواجهة التفوق الجوي الإسرائيلي.

الضربة الجوية الأولى.. البداية التي مهدت للعبور

يضع عبد الله حسن الضربة الجوية الأولى في قلب روايته لملحمة أكتوبر، مستحضرًا انطلاق الطائرات المصرية في توقيت متزامن، ظهر السادس من أكتوبر 1973، لاستهداف مواقع عسكرية إسرائيلية في سيناء، بما أسهم في تهيئة الظروف أمام القوات البرية لعبور قناة السويس واقتحام خط بارليف.

وتكمن أهمية هذه الإشارة في أنها تعيد الاعتبار إلى طبيعة الحرب بوصفها عملًا متكاملًا، لا تحسمه بطولة فردية أو سلاح واحد بمعزل عن بقية الأسلحة.

فالضربة الجوية لم تكن حدثًا منفصلًا عن خطة العبور، وإنما كانت جزءًا من عملية عسكرية أوسع استهدفت إرباك منظومة القيادة والسيطرة الإسرائيلية، وفتح المجال أمام القوات المصرية لتنفيذ مهمتها على الضفة الشرقية للقناة.

ويستعيد المقال كذلك دور الفريق حسني مبارك، قائد القوات الجوية آنذاك، في متابعة نتائج الضربة الجوية وإبلاغ القيادة السياسية بتطورات التنفيذ. وتظل هذه التفاصيل جزءًا من الذاكرة التاريخية للحرب، بما تحمله من دلالات على أهمية التنسيق بين القيادة السياسية والقيادة العسكرية، وعلى دور التخطيط الدقيق في إدارة العمليات الكبرى.

غير أن القراءة الأعمق لهذه اللحظة لا تتوقف عند عدد الطائرات أو طبيعة الأهداف، بل تمتد إلى ما مثله الهجوم من تحول في مسار الصراع بعد سنوات من آثار هزيمة يونيو 1967.

فقد أثبتت حرب أكتوبر أن استعادة المبادرة ممكنة عندما تتوافر الإرادة السياسية، والاستعداد العسكري، والتخطيط القائم على فهم قدرات العدو ونقاط ضعفه.

من مرارة 1967 إلى استعادة الثقة

يربط الكاتب بين انتصار أكتوبر وما سبقه من سنوات صعبة عاشها المصريون عقب هزيمة 1967، وما شهدته مدن القناة من غارات إسرائيلية وتهجير للسكان، فضلًا عن الهجمات التي طالت منشآت مدنية وصناعية.

ويعكس هذا الاستدعاء أن النصر لم يكن مجرد مكسب عسكري، بل كان تحولًا في الحالة المعنوية للمجتمع المصري، الذي تحمل أعباء الحرب والاستنزاف، وظل ينتظر اللحظة التي يستعيد فيها ثقته بقدراته وجيشه.

لقد جاءت حرب الاستنزاف، بما شهدته من مواجهات وتضحيات، مرحلة أساسية في إعادة بناء القدرات القتالية المصرية واختبار الجاهزية العسكرية. ثم جاءت حرب أكتوبر لتؤكد أن الهزيمة ليست قدرًا دائمًا، وأن الدول تستطيع تجاوز الانكسارات عندما تنجح في إعادة تنظيم قوتها وتوحيد جهودها حول هدف وطني واضح.

ومن هذه الزاوية، فإن الاحتفاء بالذكرى الثالثة والخمسين للانتصارات لا ينبغي أن يقتصر على استعادة مشاهد العبور ورفع العلم المصري على الضفة الشرقية، وإنما يمتد إلى فهم العوامل التي صنعت النصر، وفي مقدمتها الإعداد والتدريب والتخطيط والتماسك الوطني.

معركة المنصورة.. بطولة جوية ودلالات عسكرية

يفرد المقال مساحة لعيد القوات الجوية ومعركة المنصورة الجوية التي وقعت في الرابع عشر من أكتوبر 1973، مستحضرًا ما تمثله من علامة بارزة في تاريخ المواجهات الجوية خلال حرب أكتوبر.

وتحمل معركة المنصورة دلالة مهمة في سياق الحرب؛ إذ شهدت مواجهة جوية واسعة بين الطائرات المصرية والإسرائيلية، وأظهرت قدرة الطيارين المصريين على التعامل مع ظروف قتالية بالغة التعقيد.

كما ارتبطت المعركة في الذاكرة العسكرية المصرية بقدرة القوات الجوية على الدفاع عن المجال الجوي والتصدي لمحاولات استهداف القواعد والمنشآت الحيوية.

ويشير عبد الله حسن كذلك إلى تجربة الطيار المصري أحمد كمال المنصوري، وما أظهره من مهارة وشجاعة في الاشتباك الجوي. وتعيد هذه الإشارة تسليط الضوء على العنصر البشري باعتباره أحد المكونات الأساسية للقوة العسكرية؛ فالتكنولوجيا وحدها لا تحسم المواجهات، وإنما تتكامل مع التدريب والقدرة على اتخاذ القرار وسرعة الاستجابة والانضباط في تنفيذ المهام.

ومع ذلك، فإن القيمة التاريخية لمعركة المنصورة لا تتوقف عند ما سجلته من وقائع جوية، بل تمتد إلى ما تعكسه من تطور في أداء القوات الجوية المصرية خلال الحرب، ومن قدرة على مواجهة الهجمات الإسرائيلية في مرحلة كانت فيها المعارك الجوية عنصرًا مؤثرًا في حسابات الطرفين.

القوات الجوية بين إرث البطولة ومتطلبات التطوير

ينتقل المقال من استعادة الماضي إلى الحاضر، مستشهدًا بتصريحات قائد القوات الجوية بشأن مواصلة تحديث الطائرات متعددة المهام، والطائرات المروحية والموجهة، وتطوير القواعد الجوية والمطارات والمنشآت الفنية والإدارية.

وهذه النقلة من الذاكرة التاريخية إلى متطلبات التطوير المعاصر تمثل أحد أهم محاور المقال؛ فالاحتفاء ببطولات الأجيال السابقة لا يعني الاكتفاء بالفخر بما تحقق، بل يستدعي مواصلة العمل على تطوير القدرات العسكرية بما يتناسب مع طبيعة التهديدات الجديدة.

لقد تغيرت طبيعة الحروب بصورة كبيرة، مع اتساع دور التكنولوجيا والأنظمة غير المأهولة والاستطلاع الإلكتروني والحرب السيبرانية والقدرات الدقيقة بعيدة المدى.

وأصبحت الجاهزية القتالية ترتبط بمنظومة متكاملة تشمل التسليح والتدريب والصيانة والبنية التحتية والقدرة على دمج المعلومات واتخاذ القرار في الوقت المناسب.

ومن ثم، فإن تطوير القوات الجوية لا ينفصل عن تطور البيئة الاستراتيجية المحيطة بمصر، ولا عن ضرورة الحفاظ على قدرة الدولة على حماية مجالها الجوي وتأمين مصالحها الحيوية.

ويظل المعيار الأساسي لأي عملية تحديث هو ما تضيفه إلى الكفاءة الفعلية والجاهزية والاستجابة لمختلف المهام، في إطار من التخطيط طويل الأجل وتقييم الاحتياجات الدفاعية.

وفي هذا السياق، أشار المقال إلى معرض العلمين الدولي للطيران والفضاء باعتباره منصة للتعاون وتبادل الخبرات في مجالات الطيران والفضاء والتكنولوجيا المتقدمة.

وتكتسب مثل هذه الفعاليات أهمية عندما تتيح فرصًا للاطلاع على التطورات التقنية وبناء الشراكات وتوسيع مجالات التعاون، بما يدعم المعرفة الصناعية والتكنولوجية إلى جانب البعد العسكري.

طالع المزيد: عبد الله حسن: قاضية أفريقية تعيد الاعتبار للعدالة الدولية وتفضح ازدواجية المعايير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى