تهديدات القنابل الوهمية تربك طيران أوروبا وروسيا تدخل دائرة الشبهات

كتب: ياسين عبد العزيز

تواجه المطارات الأوروبية موجة متصاعدة من البلاغات الكاذبة عن وجود قنابل على متن طائرات الركاب، بعدما تسببت هذه التهديدات في تحويل مسارات رحلات وإخلاء طائرات واستدعاء مقاتلات عسكرية لمرافقة بعض الرحلات، وسط تحقيقات مستمرة لتحديد الجهة المسؤولة عن هذه الوقائع، وما إذا كانت محاولات فردية لإثارة الفوضى أم جزءا من تحرك منظم يستهدف تعطيل خدمات حيوية داخل القارة.

مصر وقطر تبحثان زيادة الرحلات الجوية وتوسيع التعاون بقطاع الطيران المدني

وكشفت صحيفة «الباييس» الإسبانية أن 35 طائرة على الأقل تعرضت لتهديدات منذ بداية الأسبوع، فيما جرى الإبلاغ الجمعة 6 نوفمبر 2026 عن وجود قنابل في 10 رحلات أوروبية، تأثرت بها دول باعتبارها نقاط مغادرة أو وصول أو محطات هبوط اضطراري، ورغم اتساع نطاق الاستنفار الأمني، لم تعثر فرق التفتيش على أي متفجرات داخل الطائرات المستهدفة.

وأوضحت الصحيفة أن التحقيقات تركز على رسائل إلكترونية مجهولة وصلت إلى مطارات وشركات طيران، تضمنت تحذيرات من وجود عبوات ناسفة على متن رحلات محددة، بينما لم تعلن أي حكومة أوروبية حتى الآن تحديد هوية الأشخاص الذين أرسلوا هذه الرسائل أو الجهة التي تقف وراءها.

وظهرت إيطاليا ضمن الدول التي تلقت هذه التهديدات، بعدما وصلت رسالة إلى جهات مرتبطة بمطاري روما وميلانو، زعمت وجود أجهزة متفجرة على متن رحلتين قادمتين من هلسنكي ودبلن، كما تضمنت الرسالة توقيتا محددا لانفجار العبوات المزعومة، وهو ما دفع الجهات المعنية إلى التعامل مع البلاغ واتخاذ الإجراءات الأمنية اللازمة.

وحملت الرسالة الموجهة إلى الجهات الإيطالية توقيع «مقاتلي دولة الرجال»، المعروفة باسم «مال ستيت»، وهي حركة روسية متطرفة تتبنى خطابا معاديا للنساء وتوجهات قومية متشددة، وكانت السلطات الروسية قد حظرت نشاطها، لكن ظهور اسم الحركة في الرسالة لم يثبت تورطها في إرسال التهديدات أو ارتباطها ببقية الوقائع المسجلة في أوروبا.

ونفى مؤسس الحركة فلاديسلاف بوزدنياكوف أي علاقة لها بالبلاغات، وقال إن الجماعة لم تعد موجودة ولم تشارك في هذه التهديدات، كما لم تعلن الحركة مسؤوليتها عن أي من الوقائع، ولم يظهر دليل مستقل يؤكد أن جهة روسية رسمية تقف وراء الرسائل التي تلقتها المطارات وشركات الطيران.

وتدرس الأجهزة الأمنية الأوروبية احتمال ارتباط التهديدات بما يعرف بالحرب الهجينة، خاصة مع اتهامات سابقة وجهتها دول أوروبية إلى موسكو بشأن عمليات تخريب وهجمات إلكترونية استهدفت منشآت وخدمات حيوية داخل القارة، ويرى محللون في شركة «أوسبري فلايت سوليوشنز» المتخصصة في مخاطر الطيران أن هذا الاحتمال وارد، مع عدم استبعاد تورط أفراد يتصرفون بدوافع شخصية أو يقلدون بلاغات سابقة.

وتعتمد الحرب الهجينة على استخدام وسائل غير تقليدية لإرباك الدول وإضعاف الثقة في مؤسساتها، من خلال الهجمات الإلكترونية والتضليل والتخريب والضغط على الخدمات الأساسية، دون الدخول بالضرورة في مواجهة عسكرية مباشرة، ويمكن لرسالة واحدة تتضمن تهديدا بوجود قنبلة أن تدفع شركة طيران إلى تغيير مسار رحلة أو إخلاء الطائرة واستدعاء فرق متخصصة، حتى في غياب أي دليل على وجود متفجرات.

وأكدت الصحيفة أن الأجهزة الأمنية لم تعلن امتلاك معلومات استخباراتية تثبت تورط دولة بعينها في هذه الوقائع، سواء روسيا أو إيران أو أي جهة أخرى، كما شدد مفوض النقل الأوروبي أبوسـتولوس تزيتزيكوستاس على أن الوقت لا يزال مبكرا للوصول إلى استنتاجات بشأن وجود رابط بين جميع الحوادث التي شهدتها المطارات الأوروبية.

وركز المحققون على توقيت وصول الرسائل وطريقة إرسالها، بعدما أشارت تقارير إلى تلقي السلطات الإسبانية 3 رسائل تهديد خلال أقل من 20 دقيقة، بالتزامن مع وصول تحذيرات إلى مطارات مختلفة في دول أوروبية خلال فترات متقاربة، وهو ما أثار تساؤلات بشأن احتمال وجود تنسيق بين الوقائع أو استخدام وسائل آلية لإرسال البلاغات.

ويواجه المحققون صعوبة في تحديد أصحاب الرسائل الإلكترونية المجهولة، لأن تتبع الحساب المستخدم في إرسال التهديد لا يكشف بالضرورة هوية الشخص الذي يقف وراءه، إذ يتطلب التحقيق معرفة من أنشأ الحساب ومن استخدمه وقت إرسال الرسالة، وما إذا كانت هناك حسابات وسيطة أو وسائل أخرى لإخفاء هوية المرسل، وهي إجراءات قد تستغرق شهورا وفقا لخبراء الأمن السيبراني الذين تحدثوا إلى الصحيفة.

وتبحث الجهات المختصة كذلك احتمال استخدام هذه البلاغات لاختبار سرعة استجابة المطارات وشركات الطيران وأجهزة الأمن، ومعرفة الإجراءات التي تتخذها عند تلقي إنذار بوجود متفجرات، إذ يمكن للتهديدات أن تحقق هدف تعطيل الرحلات وإرباك الجداول التشغيلية حتى دون وقوع أي انفجار، بسبب ضرورة التعامل مع كل بلاغ باعتباره خطرا محتملا على حياة الركاب.

وتتحمل شركات الطيران والمطارات خسائر مالية وتشغيلية نتيجة هذه الوقائع، تشمل استهلاك كميات إضافية من الوقود عند تغيير المسارات، وإعادة تنظيم جداول الرحلات والطواقم، وتأخير مواعيد الإقلاع والوصول، إلى جانب تكاليف عمليات التفتيش الأمني، وما يترتب على ذلك من أعباء إضافية للمسافرين والجهات المشغلة.

وأشارت وكالة سلامة الطيران التابعة للاتحاد الأوروبي إلى أن المخاطر المرتبطة بكل تهديد كاذب تظل منخفضة، لكن تزايد عدد الرحلات التي تضطر إلى تغيير مساراتها يفرض ضغوطا إضافية على منظومة الطيران، خاصة أن إرسال رسالة تهديد لا يتطلب تكلفة كبيرة، بينما يستدعي التعامل معها إجراءات قد تؤدي إلى تعطيل رحلة كاملة وتحميل الشركات نفقات مرتفعة.

وتزامنت هذه البلاغات مع اضطرابات إلكترونية أخرى طالت أنظمة تبريد في متاجر أوروبية ومنشآت مرتبطة ببنوك الدم في فرنسا، وأشار خبراء أمن الطيران إلى أن استهداف خدمات أساسية متعددة خلال فترة متقاربة قد يرفع التكاليف الاقتصادية ويؤثر في ثقة المواطنين بقدرة المؤسسات على حماية الخدمات اليومية، دون وجود دليل يثبت ارتباط هذه الهجمات الإلكترونية ببلاغات القنابل.

وتواصل السلطات الأوروبية التحقيق في مصدر التهديدات، في ظل عدم العثور على متفجرات وعدم إعلان أي جهة مسؤوليتها عن البلاغات، كما لم تقدم التحقيقات حتى الآن دليلا يربط الوقائع بروسيا أو بحركة «مال ستيت»، لتظل فرضية الحرب الهجينة أحد التفسيرات التي يدرسها الخبراء وليست نتيجة رسمية توصلت إليها الأجهزة الأمنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى