أقدم سجين سياسي في أوروبا: المناضل جورج إبراهيم عبد الله حرا بعد 41 عامًا فى الأسر

كتب: أشرف التهامي

في العقد الثامن من عمره، وبعد انقضاء ما يربو عن أربعة عقود من الزمن، يخرج المناضل البطل جورج إبراهيم عبد الله من غياهب السجن إلى رحاب الحرية، ليعود من معتقله في فرنسا إلى لبنان.

من هو جورج إبراهيم عبد الله؟

مواليد (2 نيسان 1951،القبيات) هو ناشط سياسي لبناني ماروني، وقائد سابق، ومؤسس تنظيم الفصائل المسلحة الثورية اللبنانية، المجموعة الماركسية لينينية الصغيرة المعادية لإسرائيل التي ظهرت خلال الحرب الأهلية اللبنانية. كما قد عَمِل مع الحزب الشيوعي اللبناني والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

اعتُقل في فرنسا عام 1984 بتهمة التواطؤ في اغتيال الدبلوماسي الإسرائيلي “ياكوف بارسيمانتوف” والملحق العسكري الأميركي “تشارلز راي”، وهو يُعدّ أقدم سجين سياسي في أوروبا.

كانت العملية امتدادا لمرحلة “وراء العدو في كل مكان” التي اختصرتها روايات الأديب الفلسطيني غسان كنفاني (عكا 1936، بيروت 1972) وجسّدتها المجموعات الثورية بقيادة المناضل وديع حداد (صفد 1927، ألمانيا الشرقية 1978)، فحوّلت العالم إلى ميدان مواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي، واستقطبت مقاتلين عربا، ورفاقا من اليابان وأوروبا وأميركا اللاتينية، واضعة فلسطين على خريطة النضال الأممي.

وقد شهد في مطلع شبابه “نكسة1967″، حيث ساهمت “هزيمة  يونيو/حزيران” في تشكيل وعي جيل بأكمله تجاه قضايا التحرر والمقاومة.

في 15 نوفمبر 2024، أمرت محكمة فرنسية بالإفراج عنه في 6 ديسمبر 2024، على شرط المغادرة وعدم العودة الى فرنسا. أفرج عنه في 17 يوليو 2025.

ولد جورج في 2 أبريل 1951 لأسرة مسيحية مارونية في القبيات، قضاءعكار، تابع الدراسة في دار المعلمين في  الأشرفية، وتخرج في العام 1970.

انخرط في النشاط السياسي في سن مبكرة، حيث دعم القضايا اليسارية والقومية، وانضم إلى الحركات المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي.

ناضل في صفوف الحركة الوطنية اللبنانية، ثم التحق بالمقاومة الفلسطينية وكان عضواً في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، جُرح أثناء الاجتياح الاسرائيلي للجنوب اللبناني في عام 1978.

أحدث العدوان الإسرائيلي على الشعب اللبناني والفلسطيني، لا سيما مع عدوان العام 1982 على لبنان، ثورة في نفوس الكثير من اللبنانيين والعرب الذين اندفعوا يجوبون دول العالم في محاولات منهم لملاحقة الاسرائيليين رداً على الخسائر التي لحقت بالشعب العربي.

أصبح قائداً لـ”الفصائل المسلحة الثورية اللبنانية”، التي شنت هجمات ضد أهداف غربية وإسرائيلية خلال الحرب الأهلية اللبنانية.

جرافيتي في شارع ساكاباي في مدينة  بيربينيان
جرافيتي في شارع ساكاباي في مدينة  بيربينيان

في 24 أكتوبر 1984 اعتقلته السلطات الفرنسية في مدينة ليون، وفي عام 1987، حُكم عليه بالسجن المؤبد بتهمة التواطؤ في اغتيال الملحق العسكري الأميركي تشارلز راي والدبلوماسي الإسرائيلي ياكوف بارسيمانتوف.

ورغم أنه أصبح مؤهلاً للإفراج المشروط منذ عام 1999، إلا أن السلطات الفرنسية رفضت الإفراج عنه، تحت ضغط سياسي كبير من الولايات المتحدة وإسرائيل، و في 15 نوفمبر 2024 قررت محكمة فرنسية الإفراج عنه لتنتهي بذلك 40 سنة من الاعتقال، و يعتبر جورج عبد الله أقدم السجناء السياسيين في السجون الغربية.

تظاهرة في لانميزان للمطالبة بالإفراج عن جورج عبد الله
تظاهرة في لانميزان للمطالبة بالإفراج عن جورج عبد الله

في عام 1985 تعهدت فرنسا بإطلاق سراح عبد الله مقابل الإفراج عن الدبلوماسي الفرنسي جيل سيدني بيرول، المخطوف في لبنان.

خلال الحرب الفلسطينية الإسرائيلية 2023، التقى وفد من الحزب الشيوعي اللبناني بقيادة حماس وطلب تبني مسألة إطلاق سراح جورج إبراهيم عبد الله في أي صفقة تبادل مقبلة.

تطالب العديد من المنظمات إطلاق سراح عبد الله، مثل :

  1. الرابطة الفرنسية لحقوق الإنسان.
  2. الاتحاد اليهودي الفرنسي من أجل السلام.
  3. جمعية التضامن الفرنسية الفلسطينية .
  4. مركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان والعشرات من المنظمات.

في 15 نوفمبر 2024 قررت محكمة فرنسية الإفراج عنه لتنتهي بذلك 40 سنة من الاعتقال.

الادعاء الفرنسي، أعلن قبل أيام عزمه استئناف القرار.

عادت قضية المناضل الأممي جورج عبد الله إلى الواجهة مجددا مثلما كانت عام 2013، مع توالي الأخبار عن قرب الإفراج عنه بعد قرار محكمة فرنسية بذلك.

إلا أن الادعاء الفرنسي، أعلن قبل أيام عزمه استئناف القرار. وفي حال أفرج عنه، يكون عبد الله قد أمضى أكثر من 20 عاما في السجون الفرنسية بعد انتهاء محكوميته، وسط رفض السلطات القضائية المتكرر إخلاء سبيله.

وأمام القضاة، وقف الرجل ذو اللحية الكثّة والنظرة الواثقة مطالبا بحريته للمرة الـ11، قائلا بثبات: “أنا مناضل ولست مجرما”، مؤكدا أن اختياره هذا الطريق كان “ردا على انتهاك حقوق الإنسان في فلسطين”، وبأن ما فعله: مقاومة.

المناضل جورج عبد الله اشتهر بعبارة "أنا مناضل ولست مجرما" وأكمل عقوبة السجن المؤبد عام 1999
المناضل جورج عبد الله اشتهر بعبارة “أنا مناضل ولست مجرما” وأكمل عقوبة السجن المؤبد عام 1999

التحول من معلم إلى مناضل

بدأ جورج حياته المهنية معلما في مدرسة بمنطقة أكروم بعكار، وفي مقالة وردت بموقع يتبع لحركة التحرير الوطني الفلسطيني(فتح)، تروي بدايات جورج وتكشف عن ارتباطه المبكر بالفدائيين الفلسطينيين، يقول كاتبها إن “ابن القبيات” كان يعرّف نفسه بأنه “كادح وليس من البَكَوات”، مستنكرا الظلم الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني.

وتستعرض المقالة المراحل الأولى لجورج عبد الله ضمن الثورة الفلسطينية، مبينة تأثره بحياة “المخيمات” في لبنان، وكيف كان يجول أزقة مخيم نهر البارد للاجئين الفلسطينيين، مستخدما دراجته النارية، ليوزع مجلة “الآداب” على المهتمين.

وبعد إنهائه الدورات التثقيفية، انضم عبد الله إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين رسميا، ثم انتقل من الشمال إلى منطقة “الجبل” في “مهمة جهادية”، وكان من المفترض أن يعود بعد شهر إلى الشمال، لكنه اختار البقاء، معلنا بذلك نهاية مرحلة “جورج المعلم” وولادة “جورج المناضل”. ومن ثم، أصبح جزءا من الجناح العسكري للجبهة الشعبية، لتصبح الأراضي اللبنانية كلها ساحة قتاله.

وخدم عبد الله في الجنوب، والبقاع، والجبل، وبيروت -بحسب المقالة- لكن بعد اتفاق وقف إطلاق النار الذي عقدته منظمة التحرير الفلسطينية مع الاحتلال الإسرائيلي قبيل اجتياح بيروت عام 1982، انفصل عبد الله عن الجبهة، رافضا التهدئة مع العدو، واتخذ مسارا خاصا به، متأثرا بوديع حداد، وخصوصا بمقولته الشهيرة “وراء العدو في كل مكان”، وانقطعت أخباره إلى حين سماع خبر اعتقاله في فرنسا.

المناضل جورج عبد الله أمام المحكمة الفرنسية عام 1986
المناضل جورج عبد الله أمام المحكمة الفرنسية عام 1986

كيف اعتقلته السلطات الفرنسية؟

يوم 24 أكتوبر/تشرين الأول 1984، دخل جورج عبد لله مركزا للشرطة في ليون الفرنسية، طالبا الحماية من ملاحقة الموساد الإسرائيلي له. حينها كان يحمل جواز سفر جزائري، بعد أن استخدم جوازات سفر أخرى من مالطا والمغرب واليمن للعبور إلى يوغوسلافيا وإيطاليا وإسبانيا وسويسرا وقبرص.

لكن الأجهزة الأمنية الفرنسية سرعان ما أدركت أن الرجل الذي يجيد اللغة الفرنسية ليس سائحا وإنما هو عبد القادر السعدي، وهو الاسم الحركي لجورج عبد الله، وعثر في إحدى شققه في باريس على أسلحة بينها بنادق رشاشة وأجهزة إرسال واستقبال.

وفي حوار مع صحيفة “لاديباش” الفرنسية، تحدث إيف بوني، الرئيس الأسبق لجهاز الأمن الداخلي الفرنسي، عن تفاصيل اعتقال جورج إبراهيم عبد الله عام 1984، قائلا: “لم نكن نعلم هويته”، وخلال التحقيق “زعم انتماءه إلى جهاز أمن منظمة التحرير الفلسطينية ووجّه تهديدات للمحققين”.

وأضاف بوني أنه لجأ إلى الإسرائيليين للحصول على المساعدة، مما قاد إلى اكتشاف هوية قائد الفصائل المسلحة الثورية اللبنانية، وهي مجموعة ماركسية مدافعة عن فلسطين، ومع ذلك، أكد بوني أن الأدلة ضد عبد الله لم تكن قوية، إذ اقتصرت تهم بتزوير الوثائق وحيازة أسلحة ومواد متفجرة.

كان جورج على صلة بسوريا آنذاك، بحسب التحقيق، كذلك على تواصل مع حركات وشخصيات صُنّفت “إرهابية”، مثل:

  1. تنظيم “العمل المباشر” في فرنسا.
  2. “الألوية الحمراء” في إيطاليا.

إضافة إلى علاقته بكارلوس الفنزويلي وفصيل الجيش الأحمر في ألمانيا.

في عام 1986، أصدرت محكمة ليون حكما بالسجن لمدة 4 سنوات على جورج عبد الله بتهم “التآمر الإجرامي وحيازة أسلحة ومواد متفجرة”.

وفي عام 1987، مثل أمام محكمة الجنايات الخاصة في باريس، إذ وُجهت إليه تهم بالتواطؤ في اغتيال الأميركي تشارلز راي “ورجل الموساد” ياكوف بارسيمينتوف في 1982، بالإضافة إلى محاولة اغتيال ثالثة في 1984.

“إعلان حرب”

وبينما تمسك  المناضل جورج عبد الله بنفي التهم، قال إنه “مجرد مقاتل عربي”، أصدر القضاء حكما بالسجن المؤبد رغم أن النائب العام كان قد طالب بعقوبة أقل، تصل إلى 10 سنوات.

في مذكراته، أشار المحامي جورج كيجمان إلى أن المناضل جورج عبد الله “أهان الجميع” في المحكمة، ووصفهم بـ”الخنازير والإمبرياليين القذرين”، مما استدعى طرده من القاعة. ورأى محاميه السابق جاك فيرجيس في الحكم “إعلان حرب”، مما دفع إلى تشكيل لجنة دعم فورية تطالب بالإفراج عنه فورا.

ومنذ عام 1999، عندما أصبح مؤهلا لإطلاق سراحه، وتم رفض جميع طلبات عبد الله للإفراج عنه، باستثناء طلب واحد، كان مشروطا بترحيله، وهو ما لم ينفذه وزير الفرنسي الداخلية آنذاك، مانويل فالس.

 لا يزال متمسكا بمواقفه

في عام 2022، قال محاميه جان لويس شالانسيه في تصريح لوكالة الصحافة الفرنسية: “إنه في حالة فكرية جيدة. لا يزال متمسكا بمواقفه، ويواصل القراءة بشكل مكثف، ويبقى مطلعا على الأحداث في الشرق الأوسط”.

ويرى محامو ومؤيدو جورج عبد الله أن استمرار احتجازه هو نتيجة لتأثيرات سياسية ودولية خارجية. في عام 2013، صادقت المحكمة الفرنسية على إطلاق سراحه بشروط، كان من بينها ترحيله إلى لبنان.

لكن، رغم هذا القرار، “تدخلت سفارتا الولايات المتحدة وإسرائيل في مجريات القضية”، مما أثّر بشكل كبير على سير المحاكمة وأدى إلى تراجع السلطات الفرنسية عن قرارها. هذه التدخلات، وفقا لمحاميه، تُعتبر جزءا من حملة سياسية منسقة تهدف إلى إبقاء عبد الله في السجون الفرنسية.

أنصار جورج عبد الله يتظاهرون خارج سجن لانيميزان الفرنسي
أنصار جورج عبد الله يتظاهرون خارج سجن لانيميزان الفرنسي

لن تحمل غزة أبدا راية الاستسلام

“لن تحمل غزة أبدا راية الاستسلام… ولن تتمكن الصهيونية أو أي قوة إجرامية أخرى من كسر إرادة المقاومة فيها”، بهذه الكلمات عبر المعتقل جورج عبد الله في رسالته التضامنية مع الشعب الفلسطيني، الذي يواجه حرب إبادة في غزة والضفة الغربية. البيان أُلقي خلال مظاهرة نظمت في مرسيليا الفرنسية بتاريخ 25 فبراير/شباط الماضي، حيث عبّر المحتجون عن دعمهم لصمود الفلسطينيين في وجه الاحتلال.

وأشار عبد الله في رسالته إلى أنه “لا ينبغي أن ننسى أبدا أن جذور النضال الفلسطيني انبثقت من أعماق مخيمات اللاجئين في غزة، والضفة الغربية، والأردن، ولبنان.. هذه المقاومة تحمل وعد التحرر وتصون إرث الفدائيين”.

رمز حي للنضال والمقاومة

هذا ويرى أحرار العالم أنه  المناضل جورج عبدالله رمز حي للنضال والمقاومة، فهو الذي اعتبرته الكاتبة الفرنسية آني إرنو، الحائزة جائزة نوبل للآداب عام 2022، “ضحية قضاء الدولة الذي يلحق العار بفرنسا”.

كما يعتقد إيف بوني أن الاستمرار باعتقاله يعد “انتقاما سياسيا”، وأنه قد يكون له الحق في اعتبار ما فعلته الفصائل الثورية اللبنانية “مقاومة”، لأنها جاءت في أعقاب مجزرة صبرا وشتيلا، داعيا إلى إنصافه.

المناضل جورج عبدالله في زنزانته تحت لافته " اقترب اللقاء يا فلسطين
المناضل جورج عبدالله في زنزانته تحت لافته ” اقترب اللقاء يا فلسطين

“اقترب اللقاء يا فلسطين”

تجسد قضية جورج عبد الله الذي حمل رقم (N° 2388/A221) في سجن لانيميزان رمزا لظلم فرنسا ضد مناضل تعتقله لأكثر من 40 عاما، ثابتا على قناعاته ، حيث يعلّق المناضل جورج عبد الله في زنزانته صورة مكتوب عليها “اقترب اللقاء يا فلسطين”، متمسكا بالقضية التي كانت وستظل بوصلة نضاله دون اعتذار أو ندم، بل ويرى أن إطلاق سراحه “أمام الإبادة التي يرتكبها الإسرائيليون والأميركيون” في غزة، “مجرد تفصيل”.

هذا و قد أقامت الحملة الوطنية لتحرير الأسير جورج إبراهيم، بالعاصمة بيروت أمس مؤتمراً صحفياً برعايتها وبحضور عائلة المناضل جورج إيراهيم  عبدالله و لفيف من القوى السياسية بلبنان وحقوقيين معنيين بحقوق الإنسان وقادة التيارات المناهضة للامبريالية للتحضير لمراسم استقبال المناضل جورج ابراهيم عبد الله في مطار الشهيد رفيق الحريري فور وصوله لأرض وطنه الذي حرم منه طيلة 41 عام.

طالع المزيد:

مع استمرار الحرب في غزة: رئيس أركان جيش الاحتلال يدعو إلى الواقعية بدلاً من الأوهام

زر الذهاب إلى الأعلى