فيروز تودع نجلها زياد الرحباني وسط صمت الكنيسة وبكاء العيون
كتب – ياسين عبد العزيز:
جلست الفنانة الكبيرة فيروز داخل صالون كنيسة رقاد السيدة في بلدة بكفيا تتلقى العزاء في نجلها الراحل زياد الرحباني ، وبدت ملامحها صامتة تنطق بالحزن العميق بينما انهمرت الدموع من عينيها في مشهد مؤثر تكرر صداه في قلوب اللبنانيين ، حيث اتشحت الأجواء بالكآبة والوجع ، ووقف المعزون يتبادلون نظرات المواساة دون كلمات وسط حضور كثيف لمحبي الراحل من مختلف المناطق اللبنانية.
ماجدة الرومي تبكي بحرقة أمام فيروز في وداع ابنها زياد الرحباني
تجمّع المئات منذ الساعات الأولى من صباح اليوم أمام مستشفى خوري في شارع الحمراء حيث خرج جثمان الموسيقار زياد الرحباني في موكب مهيب وسط الزهور والتصفيق والصور التي رفعها جمهوره بحب ، وامتد الحزن إلى الأرصفة وواجهات المباني التي ازدحمت بمودعيه من كافة الأعمار والانتماءات ، كما شارك المشيعون في ترديد الأغاني التي كتبها أو لحنها خلال مسيرته الطويلة ، وظلت أصواتهم تمتزج بالبكاء والدعاء حتى لحظة وصول الجثمان إلى الكنيسة.
رافق الجثمان حشد كبير من الفنانين والمثقفين والسياسيين وطلاب الجامعات والمسرح ومحبي الموسيقى الذين عرفوا زياد الرحباني كواحد من أبرز صناع الهوية الفنية اللبنانية المعاصرة ، وكانت فيروز قد جلست في المقدمة بجوار ابنتها ريما لمرافقة ابنها في لحظته الأخيرة ، بينما بدا الهدوء سيد الموقف داخل الكنيسة ولم يسمع سوى صدى خطوات المودعين ونبض مشاعرهم.
رحل زياد الرحباني عن عمر 69 عامًا بعد حياة حافلة بالتأثير والعطاء في الموسيقى والمسرح السياسي ، حيث وُلد في الأول من يناير عام 1956 وهو الابن الوحيد للفنانة فيروز والموسيقار عاصي الرحباني ، وعاش طفولة غنية بالتجارب الفنية التي ساعدته على صياغة أسلوبه الشخصي ، وبدأ مشواره مع التأليف الموسيقي والمسرحي منذ سن مبكرة.
أسّس زياد لنمط خاص في المسرح العربي الساخر متأثرًا بواقع الحرب والانقسام في لبنان ، وكتب أعمالًا مثل “فيلم أمريكي طويل” و“بالنسبة لبكرا شو؟” و“نزل السرور” التي انتشرت على نطاق واسع في السبعينيات والثمانينيات ، كما قدّم تجارب موسيقية رائدة مزج فيها الجاز بالنغمة الشرقية والتوزيع الكلاسيكي بالنقد الاجتماعي ، فصار صوته جزءًا من وجدان الجمهور العربي الباحث عن العمق والمعنى.
كانت مواقف زياد السياسية جزءًا من شخصيته الفنية ، حيث تبنّى الفكر اليساري وأعلن انحيازه للمهمشين والطبقات الشعبية ، ورفض المهادنة في قضاياه التي عبّر عنها بلغة مباشرة وموسيقى تحمل طابع السخرية الحادة ، ولم ينفصل فنه يومًا عن مواقفه رغم كل الجدل الذي دار حوله في مراحل مختلفة من حياته.
يبقى زياد الرحباني علامة فارقة في تاريخ الفن اللبناني والعربي ، وتظل موسيقاه ومسرحه حيّة في الذاكرة الثقافية ، بينما جلست فيروز في هدوء الأم الثكلى تودّع ابنها الوحيد بكلمات لم تُنطق ودموع لم تتوقف.





