“التحدث إلى شوبنهاور ليلًا”.. حوار مع الكاتب محمود لطفي عن العزلة والقلق والكتابة
كتب: إسلام فليفل
في حوار خاص لموقع “بيان” أقتربنا أكثر مع الكاتب محمود لطفي، من كواليس مجموعته القصصية “التحدث إلى شوبنهاور ليلًا”، والتي أثارت اهتمام القراء والنقاد بجرأتها الفكرية ومناخها التأملي العميق.
نحاول من خلال هذا اللقاء أن نفهم كيف وُلد العنوان، وكيف تمازجت في النصوص الهموم الوجودية والنفسية والاجتماعية، وما الذي تغيّر في الكاتب بين البدايات واليوم، وإلى نص الحوار:-
بداية، كيف وُلد عنوان “التحدث إلى شوبنهاور ليلًا”؟ وهل يعكس مضمون المجموعة بالكامل أم قصة بعينها؟
العنوان وُلد من الأوقات التي انفردت فيها بنفسي مع أفكاري وسط صمت الليل، القصة الأطول في المجموعة تحمل نفس الاسم، وتدور حول حوار تخييلي يتكرر عبر ليالٍ مع الفيلسوف آرثر شوبنهاور، لكن هذا الحوار تجاوز ثيمة القصة ليصبح انعكاسًا لحالة وجودية تشمل أغلب النصوص: القلق، الوحدة، الأسئلة المؤجلة، الاغتراب. العنوان عبارة عن حالة شعورية وفكرية تعكس المزاج العام للمجموعة، وإن كانت القصة التي تحمل الاسم تُجسّد هذه الروح بشكل مكثف.
لاحظنا تنوّعًا بين القصص من حيث الثيمات: الوجودية، الاجتماعية، النفسية.. هل جاء هذا التنوع عن قصد أم أنه نتاج تلقائي للتجربة؟
لم يكن مخططًا بهذا المعنى، لكنه جاء كاستجابة لتجارب متعددة ومراحل متغيرة من حياتي ككاتب وإنسان، “الاعتراف” تُقارب سؤال الحقيقة المؤجلة، و”أظنه بكى” تحفر في الحزن الرجولي المسكوت عنه، بينما “التحدث إلى شوبنهاور ليلًا” تنغمس في مواجهة الوجود، القصص تنوّعت لأن الأسئلة كانت متنوعة.
تمزج في قصصك بين السرد الواقعي والتأمل الذهني، كيف توازن بين هذين الخطين دون أن تفقد القصة تماسكها؟
هذا التوازن لا يُصنع عمدًا، بل يُكتشف أثناء الكتابة، التأمل بالنسبة لي ليس زينة لغوية، بل ضرورة داخلية تنشأ من معاناة الشخصية، في “التحدث إلى شوبنهاور ليلًا” مثلًا، التأمل لا يُضاف من الخارج بل يتولد من التجربة اليومية للشخصية، حتى في “أظنه بكى”، التأمل في الحزن لا يعطل السرد بل يخصبه، التحدي أن يكون التأمل امتدادًا للسرد لا انقطاعًا عنه.

الشخصيات في المجموعة تمرّ بتحولات داخلية واضحة، كيف تبني هذه التحولات أثناء الكتابة؟ هل تبدأ بالشخصية أم بالفكرة؟
أبدأ غالبًا بفكرة، بسؤال مالكن الشخصية هي من تمنح هذا السؤال عمقًا وملامح. في “لعبة التخيل”، بدأ كل شيء بتساؤل عن أثر الصور الذهنية المسبقة على العلاقة الجسدية، وانتهت القصة بتعرية الوعي نفسه. التحول لا يُفرض، بل يُولد من داخل السياق إذا كانت الشخصية حيّة بما يكفي.
في أحد الاقتباسات تقول: “إنه صديقي ومن واجبه أن ينافقني”.. هل ترى أن الصداقة تتطلب المجاملة حتى على حساب الصدق؟
العبارة وردت في لحظة انكسار من شخصية كانت تنتظر الاحتواء لا النقد. المجاملة هنا لم تكن نفاقًا، بل تعبير عن حاجة نفسية للحب غير المشروط. في الواقع، الصداقة تقتضي الصدق، نعم، لكن الصدق ليس دائمًا قول الحقيقة، بل قولها في وقتها المناسب.
ما أكثر قصة في المجموعة تشعر أنها تمثّلك؟ ولماذا؟
أقرب قصة لي من حيث الشعور هي “الكلب”. ليست انعكاسًا لتجارب عشتها شخصيًا، لكنها تلامس مشاعر مررت بها مرارًا، خاصة تلك المتعلقة بالرفض، والانكسار الداخلي الناتج عن محاولة التكيّف مع نظرة الآخرين. القصة تُجسد عزلة النفس حين تفقد انتماءها دون أن تتخلى عن إنسانيتها.
بدأت بالمسابقات ثم انتقلت للنشر… ما الذي تغيّر فيك ككاتب خلال هذه الرحلة؟
تغيّرت علاقتي بالنص تمامًا. كنت أكتب لأثبت قدرتي على الكتابة، واليوم أكتب لأفهم ما لا يُقال. صرت أقل قلقًا تجاه النشر، وأكثر هدوءًا في مواجهة القبول أو الرفض. أظن أن كل كاتب يمرّ بلحظة تحوّل من السعي للاعتراف إلى السعي للاكتشاف، وقد كانت هذه الرحلة حاسمة في ذلك.
هل هناك مشاريع كتابية جديدة قيد التنفيذ؟ وهل تفكر في التوجه نحو الرواية؟
أعمل حاليًا على رواية أحاول من خلالها استكشاف معنى “البيت” — لا كمكان فحسب، بل كهوية وانتماء وذاكرة، الرواية تُكتب بسرد غير خطي، لأنني أؤمن أن علاقتنا بالبيت ليست خطية بدورها، تتشابك فيها الأزمنة والذكريات والانكسارات في طبقات.
أي قصة من المجموعة تتمنى تحويلها لفيلم قصير؟ ولماذا؟
“الاعتراف” تبدو الأنسب دراميًا، لأنها تنبني على حدث صادم وقابل للتكثيف البصري دون فقدان عمقه النفسي. أما “التحدث إلى شوبنهاور ليلًا”، فهي مغرية من زاوية فنية، إذ تصلح كعمل رمزي بصري يعتمد على الحوار، والإضاءة، والمشاهد السريالية لتجسيد العزلة والقلق الوجودي، مع هامش واسع للتجريب في الإخراج.





