شبراوى خاطر يكتب: اِصْنَعْ من نفسك شجرة خيزران لتكتسب صفاتها

بيان

عندما اتخذت شجرة الخيزران، أو “البامبو” الصيني، مثالًا لتوضيح ماهية وصفات ممارس العلاقات العامة المثالي، في ذلك الوقت، أشرت إلى أن شجرة الخيزران الصيني هي التعبير الصادق الأكثر ملاءمة للصفات التي ينبغي أن يتسم بها ممارس العلاقات العامة اليوم.

وفي هذا المقال، سوف نستكشف رمزية شجر الخيزران في الثقافة الصينية وبعض ثقافات الشرق الأقصى، وأهميته الفلسفية ودوره في الحياة الصينية، فالخيزران في الثقافة الصينية ليس مجرد نبات، ولكنه رمز قوي يمثل الصفات الأساسية مثل المرونة والقدرة على التكيف والمتانة. في الفلسفة والفن والثقافة وعالم الأعمال وكافة جوانب الحياة، يحتل الخيزران مكانة خاصة، وتخترق رمزيته جوانب مختلفة من الحياة، من الأدب والرسم إلى التعاليم الدينية وفنغ شوي.

إحدى الخصائص الرئيسية للخيزران التي تميزه عن النباتات الأخرى هي قدرته على الانحناء بمرونة تحت الرياح القوية دون كسر. وترمز هذه المرونة إلى القدرة على التكيف مع الحياة والمرونة في المواقف الصعبة. ففي الثقافة الصينية، يرتبط هذا بالمرونة الشخصية والقدرة على تحمل الصعوبات والبقاء دون قيود بسبب الظروف الخارجية، مع الحفاظ على القوة الداخلية. لذلك تعتبر الثقافة الصينية أن الخيزران رمز للعناد؛ فلا ينكسر تحت الضغط، حتى لو تأثر بشدة بعوامل خارجية مثل العواصف والرياح القوية. وترتبط جودة الخيزران هذه بفكرة التحمل والمثابرة في مواجهة الصعوبات.

ألا يشير ذلك إلى أنها نفس السمات والمواصفات التي نبحث عنها عند اختيار الأشخاص الذين سيمثلون مستقبل مهنة العلاقات العامة، على وجه الخصوص، في المؤسسات والشركات؟

نبات الخيزران يبدأ متخفيًا على هيئة كرة خضراء صغيرة على سطح الأرض، ويظل على هذا الوضع ربما لسنوات، فعندما تطأ بقدمك نفس المكان من الأرض بشكل متواصل لشهور وأعوام، لا ترى سوى هذه الكرات الصغيرة. وما أن تنتشر جذورها وتتشابك داخل التربة العميقة مع الجذور الأخرى، تجدها تنمو إلى السماء بسرعة مذهلة قد تصل إلى مائة سنتيمتر كل يوم، لتصبح من أسرع النباتات نموًا.

في المقال الأول الذي نُشر عام 2016، تحدثت فيه عن تنوع الجذور وتغلغلها في أعماق الأرض، وشبهتها بكافة العلوم وأنواع الفنون التي ينبغي لممارس العلاقات العامة أن يدرسها ويتعلمها دون أن يراه أحد، وليعمل على تعليم نفسه بنفسه، ويستقي علومه وفنونه بإخلاص محب للبقاء حيًا، ومن ثم يمكنه أن يستخدمها في استراتيجيات وتطبيقات برامج العلاقات العامة والاتصالات التسويقية. هذا عن الجذور، فماذا عن البيئة التي تُغرس فيها، وحماية رحلتها في النمو، وما هو تأثير فلسفة الخيزران على مواصفات وسمات وشخصية رجل العلاقات العامة؟

فلأن معدل النمو يعتمد على التربة والظروف المناخية الطبيعية المحلية، كذلك هي المواهب الإدارية العاملة في قطاع الإعلام واتصالات التسويق والعلاقات العامة والوظائف المعرفية؛ فإنها تحتاج إلى ظروف أكثر ملاءمة وتشجيعًا وتوزيعًا ونشرًا للعلم والخبرات المتنوعة، وخاصة عندما نعلم أن فترة النمو تتزايد في المقام الأول في المناطق الأكثر احتواءً وأكثر دفئًا.

ولقد تحدث المفكر الأمريكي الشهير “مالكولم غلادويل” في كتابه “الاستثنائيون”، حيث قال: “كثيرًا ما يتحدث علماء الأحياء عن ‘بيئة’ الكائن الحي: فأطول شجرة بلوط في الغابة ليست الأطول لمجرد أنها نمت من أقوى الجذور؛ إنها الأطول أيضًا لأن لا أشجار أخرى تحجب عنها ضوء الشمس، والتربة المحيطة بها عميقة وخصبة، ولم يقضم أرنب لحاءها وهي صغيرة، ولم يقطعها حطاب قبل أن تنضج. نعلم جميعًا أن الناجحين ينحدرون من بذور قوية، لكن هل نعرف ما يكفي عن ضوء الشمس الذي دفأهم، والتربة التي غرسوا فيها جذورهم، والأرانب والحطابين الذين حالفهم الحظ بتجنبهم؟”

لم يكن أبدًا من حسن حظ المواهب أنها تُركت تزهر وتنمو، ولم يكن من حسن حظها أن تجنبها حطابو المواهب ولم يقضمها أحد من الأرانب، إنما ذلك هو حظ المجتمع والوطن لأن تنمو أشجار الفكر والعلم والخبرة والفن والأدب والثقافة والمهنية.

وكما يقول “غلادويل”: أريد أن أقنعكم بأن هذه التفسيرات والسمات الشخصية للنجاح لا تجدي نفعًا، فالناس لا ينهضون من العدم. لا شك أننا مدينون بشيء ما للشراكة والرعاية. قد يبدو من يقفون أمام الملوك وكأنهم حققوا كل شيء بمفردهم، لكنهم في الواقع يستفيدون دائمًا من مزايا خفية وفرص استثنائية وإرث ثقافي يمكّنهم من التعلم والعمل الجاد وفهم العالم بطرق يعجز عنها الآخرون. يختلف الأمر باختلاف المكان والزمان الذي نشأنا فيه، فالثقافة التي ننتمي إليها والإرث الذي ورثناه عن أسلافنا يشكلان أنماط إنجازاتنا بطرق لا يمكننا حتى تخيلها. بعبارة أخرى، لا يكفي أن نسأل عن صفات الناجحين، بل فقط من خلال سؤالهم عن أصولهم نستطيع أن نفهم المنطق الكامن وراء من ينجح ومن يفشل.

يا من تنادون بلا يأس بضرورة “بناء الإنسان المصري”، في هذا المقال لا أتحدث فيه عن زراعة الأشجار ورعايتها، ولكن عن اكتشاف المواهب ورعايتها، ودور مجتمع الأعمال والمنظمات المهنية في إعداد البيئة المناسبة لنمو أشجار المستقبل.

لعلكم تفقهون.

طالع المزيد:

شبراوى خاطر يكتب: العلاقات العامة رحلة تبدأ من الفهم وصولا إلى التفاهم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى