د. محمد الجوهري يكتب: بين أمجاد الماضي وانكسارات الحاضر.. ألا ليتَ التاريخ يعودُ يوماً

بيان
“ألا ليتَ الشبابَ يعودُ يوماً… فأُخبرَه بما فعلَ المشيبُ” — بيتٌ شعري قاله أبو العتاهية، ولكن في مصر نردّده بشكلٍ آخر: “ألا ليتَ التاريخَ يعودُ يوماً”… ليس لنشكو، بل لنحتمي، ونلوذَ بظلِّ الحضارة التي كانت، والمجدِ الذي طواهُ الغبار، لعلّه يُعيد إلينا شيئًا من هُويتنا التي تاهت بين الأزقّة.
مصر التي كانت: أمّ الدنيا بحق
منذ آلاف السنين، وقف الإنسان المصري يطوّع الطبيعة، ويخطّ بيديه ملحمة حضارية لا يزال العالم يقرأها بدهشة. الأهرامات، المعابد، الطب، الهندسة، الفلك، الموسيقى، الزراعة، القانون — كلّها فصول من كتابٍ اسمه “الحضارة المصرية القديمة”، ذلك الكتاب الذي لم يجفّ حبره حتى اليوم رغم مرور آلاف السنين.
ثم انتقلنا إلى عصر آخر من المجد، عصر العلم – جامعة القاهرة، صرح التنوير الذي خرّج قادة ومفكرين وأطباء وعلماء. عصر طه حسين، والعقاد، وزويل، ونجيب محفوظ. عصر أم كلثوم، صوتٌ من ذهبٍ غنّى لمصر والحب والقيم، وعصر عبد الحليم حافظ الذي لامس بأغانيه وجدان الشعب وأحلامه القومية. كان كل بيت في مصر يفتخر بأنه جزءٌ من هذا المجد، وكل أبٍ وأمٍ يحلمان بمستقبلٍ مشرق لأبنائهما في بلد يعلو فيه صوتُ العلم والفن.
أما الحاضر… فحدّث ولا حرج
في المقابل، ننظر اليوم إلى واقعنا بقلوبٍ يملأها الأسى. تدنّي واضح في الأخلاق العامة، صراخٌ في الشوارع، عنفٌ في المدارس، محتوى هابط على الشاشات، بل ونجوم من ورق تُصنع في دقائق على مواقع التواصل الاجتماعي. صرنا نُعلي من قدر “صانع الترند”، ونطارد صوره كأنّه “نجم حضارة”، بينما يُهاجر العلماء الحقيقيون في صمتٍ لا يسمع أنينه أحد.
التعليم؟ تحوّل إلى عبء، والمدارس إلى مبانٍ صامتة لا تصنع فكرًا ولا شخصية. الثقافة؟ تراجعت لتفسح المجال لنجوم أغاني “المهرجانات”، التي يُكرَّم أصحابها بينما يُهاجم الأدباء والمثقفون بدعوى أنهم “معقّدون” أو “من زمن فات”. صرنا نُقارن بين أم كلثوم و”حمو بيكا”، وبين عبد الحليم و”شاكوش”، دون أن نخجل من هذه المقارنة.
هل نحن شعب متناقض؟
الحقيقة أننا لسنا شعبًا بلا ماضٍ، ولسنا أيضًا بلا أمل. لكننا نقف في مفترق طرق: بين من يريد أن يعيد لمصر مجدها، وبين من يغرقها في “ثقافة التفاهة” و”اقتصاد الصخب”. المشكلة ليست فقط في شاكوش وبيكا، فهما نتيجة، لا سبب. السبب الحقيقي هو القبول المجتمعي بانحدار المعايير، وغياب المشروع الثقافي الوطني، و”استقالة” الأسرة والتعليم والإعلام من أدوارهم الجوهرية.
ما الحل؟
الحل لا يأتي بلوم الجيل الجديد فقط، بل بصناعة قدوة جديدة، وإعادة الاعتبار للعلم والثقافة والفن الحقيقي. نريد مدارس تُربّي قبل أن تُدرّس، وإعلامًا يُلهم قبل أن يُسلّي، وفنًّا يُهذّب لا يُحرّض.
• نريد تمجيد الدكتور مجدي يعقوب كما نمجّد لاعبي الكرة.
• نريد أن يُكرَّم الأديب الشاب كما يُكرَّم صانع المحتوى المضحك.
• نريد أن تعود “الحفلات” إلى دار الأوبرا لا إلى الشارع.
• نريد محتوى يعكس مصر الحضارة، لا مصر الضجيج.
خاتمة: لا زال في الوقت متّسع
لبناء مصر الجديده .. التي يحلم بها الرئيس عبد الفتاح السيسي ويسعي الي ذلك مع شعب مصر الواعي .. وما فعله رجال القانون والامن من القبض علي كل من تسول له نفسه لتشويه صورة مصر علي وسائل التواصل الاجتماعي .. والتي في الحقيقة أصبحت وسائل التباعد الاجتماعي .. فالحلم ليس برج ايقوني او ساري علم .. بل هو نهضة ورقي شعب
ليتنا نُعيد قراءة تاريخنا لا لمجرد الفخر، بل لاستلهام الطريق. فالماضي لم يكن زمنًا جميلًا فقط لأنه كان “قديمًا”، بل لأنه كان يحمل مشروعًا، وهُوية، وانضباطًا. والمستقبل لن يكون أفضل إلا إذا أعدنا ترتيب الأولويات، وأعدنا بناء الإنسان المصري من جديد… لا على صوت “المهرجان”، بل على لحن قيمٍ ضاعت، وأخلاقٍ غابت، وعقولٍ تحتاج من يوقظها.
فهل من مُجيب؟

طالع المزيد:

زر الذهاب إلى الأعلى