د. سليم الخراط يكتب: حتى تعود سوريا إلى الحياة..!!
بيان
ذلك كله لا ولن يحقق مستقبلًا واعدًا للوطن إلا حين تعود الحقوق السياسية، معترفًا بها أساسًا لأي مستقبل وطني.
البداية تكون من خلال حوار وطني حقيقي وجاد..!!
حوار من خلال مؤتمر وطني سوري يجمع كل المكونات الوطنية، ويمهد للحقوق السياسية التي تتضمن حق الفرد في المشاركة السياسية، ناشطًا وعضوًا فاعلًا في بنية النظام السياسي أو ناخبًا.
هذا ما يجب أن تجسده، في القريب العاجل، السلطات التشريعية من خلال البرلمان، والمجالس المحلية، والأحزاب السياسية، ومنظمات المجتمع المدني.
لقد لفتت انتباهي قراءات موثقة في فكر الآخرين عن كيفية نهوض سوريا، من خلال تقرير عن واقع سوريا، وكيف يمكن أن تكون، ووضعها وظروفها، وما عليها أن تعيه من الخيارات الوطنية للخلاص من واقع أزمتها وظروفها.
التقرير يتحدث عن سوريا ومفترقات عدم اليقين في الشرق الأوسط.
كما أن التقرير صادر عن نادي فالداي الدولي للحوار.
الكاتبان: فيتالي نعومكين، أكاديمي في الأكاديمية الروسية للعلوم، والمدير العلمي لمعهد الاستشراق الروسي، وفاسيلي كوزنيتسوف، نائب مدير معهد الاستشراق الروسي، ورئيس مركز الدراسات العربية والإسلامية في معهد الاستشراق الروسي.
تاريخ التقرير: فبراير 2025.
ينطلق التقرير من فكرة مركزية، وهي أن سوريا لا تواجه فقط مرحلة انتقال سياسي، بل تواجه سؤالًا أعمق يتعلق بإعادة بناء الدولة نفسها.
المشكلة، كما يعرضها التقرير، أن النظام السوري خلال سنوات الصراع لم يبق نظامًا مركزيًا متماسكًا بالمعنى الحقيقي، بل تحول إلى بنية هشة تقوم على تداخل مراكز القوة: العائلة، والأجهزة الأمنية، وحزب البعث، والبيروقراطية، ورجال الأعمال، والمؤسسات الدينية، والشبكات المحلية. لذلك فإن أي حل لا يعيد ترتيب العلاقة بين السلطة والمجتمع والمؤسسات سيبقى حلًا سطحيًا.
أول مقترح أساسي هو إعادة احتكار الدولة للسلاح.
يرى التقرير أن السلطة الجديدة لا تستطيع بناء دولة إذا بقيت القوى المسلحة مستقلة أو شبه مستقلة. المطلوب هو دمج هذه التشكيلات في جيش وطني وأجهزة أمنية موحدة. لكن التقرير لا يتعامل مع الدمج بوصفه إجراءً إداريًا فقط، بل تحولًا نفسيًا وسياسيًا؛ إذ يجب أن تبدأ القوى التي كانت تقاتل سابقًا باعتبار نفسها جزءًا من الدولة، لا امتدادًا لفصيل أو جماعة أو شبكة محلية.
هنا تظهر أسئلة خطيرة: كيف يتم منع الثأر؟ كيف تُمنح ضمانات أمنية للمقاتلين السابقين؟ كيف تتحول الخدمة في الجيش والأمن من مصدر ريع ونفوذ إلى وظيفة وطنية؟ وكيف تستطيع الإدارة المدنية أن تفرض احترامها على القوى المسلحة؟
المقترح الثاني هو إعادة بناء الثقة مع البيروقراطية والتكنوقراط.
يشدد التقرير على أن الدولة لا تُدار فقط من القيادة السياسية، بل من الوزارات، والمحافظات، والموظفين، والدبلوماسيين، والخبراء الفنيين الذين يضمنون استمرار الخدمات. لذلك فإن تفكيك الجهاز الإداري القديم بالكامل قد يؤدي إلى انهيار ما تبقى من الدولة، لكن الإبقاء عليه كما هو سيعيد إنتاج الفساد والشلل.
الحل المقترح عمليًا هو إصلاح انتقائي: الحفاظ على الكفاءات، وإعادة هيكلة القطاعات الحساسة، خصوصًا الأمن، والتعليم، والاقتصاد، والإدارة المحلية. ويعطي التقرير أهمية خاصة للإدارة المحلية؛ لأن إحدى المهام العاجلة هي توفير الخدمات الأساسية للسكان، خاصة في ظل الخراب الاقتصادي والتضخم العمراني الكبير حول دمشق، حيث يذكر التقرير أن دمشق وضواحيها تضم ما يصل إلى 40% من سكان البلاد.
المقترح الثالث هو فتح قنوات قانونية بين المجتمع والسلطة.
يعتبر التقرير أن أحد أسباب سقوط النظام السابق كان تدمير آليات التغذية الراجعة بين الدولة والمجتمع، بمعنى أن الناس لم تعد تملك قنوات طبيعية لإيصال مطالبها، فتحولت السياسة إلى صمت أو خوف أو ولاء شكلي.
لذلك يقترح التقرير إعادة بناء آليات تسمح بتحويل المطالب الاجتماعية إلى سياسة قانونية منظمة: أحزاب، وحركات، ومؤسسات محلية، ونقاش عام، وآليات تمثيل لا تدفع الناس نحو الانفجار أو العنف.
في هذا السياق يأتي ملف حزب البعث.
لا يتعامل التقرير معه فقط كحزب حاكم سابق، بل كشبكة إدارية ضخمة كانت تضم نحو 1.8 مليون عضو، ولديها خبرة في الإدارة المحلية وضبط التوازنات الاجتماعية.
لذلك يحذر التقرير من خيارين متطرفين: إما إعادة البعث كأداة احتكار سياسي، أو شطبه بالكامل بطريقة تخلق فراغًا إداريًا.
والفكرة الأقرب في التقرير هي الاستفادة من الكفاءات الإدارية الموجودة، مع منع عودة الحزب كآلية سيطرة شاملة على الدولة والمجتمع.
المقترح الرابع هو منع تحول الدولة إلى مصدر ريع.
هنا يذهب التقرير أبعد من شعار مكافحة الفساد.
فهو يقول إن المشكلة ليست فقط في وجود فساد، بل في أن بعض مؤسسات الدولة أصبحت مرتبطة بمصادر ربح ونفوذ.
لذلك فالمطلوب هو فصل الوزارات، والأجهزة، والمؤسسات العامة عن شبكات المال والمصالح الخاصة. وبتعبير أقوى: يجب تغيير وظيفة الدولة نفسها، من جهاز لتوزيع المنافع على القوى النافذة إلى جهاز لخدمة المجتمع وبناء النظام العام.
المقترح الخامس هو بناء نظام سياسي شامل، ولكن غير طائفي.
يطرح التقرير سؤال الشمولية بحذر: من يجب أن يكون داخل النظام السياسي الجديد؟
هل فقط قوى المعارضة السابقة؟
هل كل السوريين؟
هل الأحزاب؟
هل الأقليات؟
هل التيارات الإسلامية والقومية والليبرالية؟
لا يؤيد التقرير نقل النموذج اللبناني أو العراقي كما هو إلى سوريا؛ لأن المحاصصة الطائفية قد لا تنتج دولة مستقرة.
لذلك فإن الفكرة الأقوى هي حماية حقوق الأقليات، ومنع الإقصاء، وفتح المجال السياسي أمام قوى متعددة، دون تحويل الدولة إلى سوق للمحاصصة الطائفية والمناطقية.
ويشير التقرير إلى أن ملف الشمولية معقد أيضًا داخل المعسكر الذي وصل إلى الحكم؛ لأن القوى المعارضة السابقة ليست كتلة واحدة.
حتى داخل “هيئة تحرير الشام”، كما يورد التقرير، توجد تصورات مختلفة لمستقبل سوريا، وبالتالي فإن توحيد صفوف المنتصرين قد يكون أصعب، بعد الوصول إلى السلطة، من مرحلة القتال ضد خصم مشترك.
لهذا يركز التقرير على سؤال تشكيل النخبة الجديدة: من سيدخل؟ ومن سيُستبعد؟ وما المعايير التي ستمنع الانتقام أو الاحتكار؟
في الملف الديني، يلفت التقرير إلى أهمية وزارات التعليم والعدل والأوقاف.
والسبب أن السيطرة على هذه المؤسسات تعني التأثير في هوية المجتمع، لا في الإدارة فقط.
ويشير التقرير إلى أن وزارة الأوقاف حصلت خلال السنوات الأخيرة على صلاحيات واسعة في إدارة الحياة الدينية السنية والبنية المرتبطة بها، ولذلك فإن سؤال من سيدير المجال الديني في سوريا الجديدة لا يقل أهمية عن سؤال مصير حزب البعث.
أما في مسألة وحدة الأراضي السورية، فيرفض التقرير بوضوح سيناريو التقسيم.
ويعتبر أن الحديث عن دولة علوية أو سنية أو كردية أو درزية هو طرح غير واقعي وخطير؛ لأنه قد يحول سوريا من دولة واحدة مأزومة إلى عدة كيانات ضعيفة ومتصارعة، لا تملك قدرة اقتصادية حقيقية على البقاء.
كما يحذر التقرير من أن تغيير الحدود السورية قد يفتح سابقة خطيرة في الشرق الأوسط كله؛ لأن حدود المنطقة، رغم كل مشكلاتها التاريخية، أصبحت إطارًا قائمًا منذ قرابة قرن.
بالنسبة إلى اللامركزية، لا يرفضها التقرير بالكامل، لكنه يتعامل معها بحذر شديد.
فمن جهة، قد تكون اللامركزية وسيلة لإدماج النخب المحلية، وتوزيع المسؤولية، وربما التعامل مع المسألة الكردية عبر خبرات التفاوض السابقة بين دمشق والقوى الكردية.
ومن جهة أخرى، يحذر التقرير من أن اللامركزية، في ظروف ضعف الدولة، والتهديدات الخارجية، والانهيار الاقتصادي، وعدم توازن الموارد بين المناطق، قد تتحول إلى طريق مباشر لتفكك البلاد.
لذلك يميل التقرير إلى خيار أكثر حذرًا: ليس لامركزية واسعة وفورية، بل استيعاب النخب المحلية داخل مؤسسات وطنية عامة.
ويعطي التقرير أهمية خاصة لما يمكن تسميته البعد العاطفي أو الرمزي للدولة.
فالدولة لا تقوم فقط على الجيش، والوزارات، والقوانين، بل تحتاج إلى مشروع مشترك يجعل الناس يشعرون بأن لديهم مستقبلًا واحدًا.
ويرى التقرير أن سقوط السلطة السابقة بسرعة لم يكن فقط نتيجة أزمة مؤسسات، بل لأن المجتمع لم يعد مستعدًا للدفاع عن المجموعة الحاكمة.
وهذا يعني أن الشرعية لا تُفرض بالقوة وحدها، بل تحتاج إلى معنى، وثقة، وفكرة جامعة.
في هذا الإطار، يقترح التقرير أن تكون إعادة الإعمار أحد محاور المشروع الوطني الجديد.
وليست إعادة الإعمار مجرد أموال وبناء طرق ومبانٍ، بل فرصة لصناعة فكرة مشتركة: السوريون يعملون معًا من أجل مستقبل واحد.
ويرى التقرير أن وحدة الأراضي، واستعادة السيادة، وحماية المجتمع، وإعادة بناء الخدمات، يمكن أن تصبح عناصر جامعة إذا قُدمت كجزء من مشروع وطني، لا كخطاب دعائي.
وعلى المستوى الخارجي، يضع التقرير سوريا ضمن بيئة إقليمية شديدة التعقيد.
فضعف إيران وحلفائها، وصعود الدور التركي، والتحركات الإسرائيلية، واهتمام دول الخليج، كلها عوامل تجعل سوريا أمام خطر التحول إلى ساحة نفوذ للآخرين.
لذلك يشدد التقرير على أن أي سلطة سورية جديدة تحتاج إلى دعم خارجي لتحسين الاقتصاد وكسب ولاء السكان في المرحلة الانتقالية، لكنها، في الوقت نفسه، يجب أن تثبت تمسكها بالسيادة السورية والعمل وفق المصالح الوطنية.
الخلاصة التفصيلية:
يقترح التقرير عمليًا خريطة طريق لبناء دولة سورية قابلة للحياة، تقوم على: دمج السلاح في مؤسسة وطنية واحدة، وإصلاح الجهاز الإداري لا تدميره، وفتح قنوات سياسية بين المجتمع والسلطة، والتعامل الذكي مع إرث البعث، وفصل الدولة عن الريع والفساد، وبناء شمول سياسي يحمي الأقليات دون محاصصة طائفية، ورفض التقسيم، والحذر من اللامركزية غير المحسوبة، وإدماج النخب المحلية في الدولة، وصياغة مشروع وطني جامع أساسه السيادة وإعادة الإعمار.





