د. سليم الخراط يكتب: ابتلاءات الدنيا
بيان
مررنا جميعاً بابتلاءات الدنيا..!! لكن أولاً: أيامكم مباركة ملؤها الأمل بكل قادم بخيره للوطن.. قراءة طويلة في مبتلانا.. لكنها تاريخنا، هي الدنيا وقد أثقلت قلوبنا هماً وحزناً.
أوقاتاً مؤلمة لم يكن لنا فيها إلا الله مؤنساً رحيماً.. فارقنا أحباباً غوالي على قلوبنا وكان الله حسبنا ونعم الوكيل.. وانكسرت قلوبنا مرات فجبرنا الدعاء.. وأوجعتنا الحياة مرات فداوانا القرآن.
وأيقنتُ أنا وأنتم معي أن بعد كل عسر يسراً، وقدر الله وما شاء فعل.. أتظنون أن تهزمنا هذه الحياة ونحن مع الله ولله.. صباحكم يسر وفرج من الله، وحسبنا الله ونعم الوكيل.. اللهم آمين..
من وهب نفسه للدنيا لن تعطيه الدنيا إلا قطعة من الأرض ليُدفن فيها، ومن وهب نفسه لله سيعطيه الله جنة عرضها السماوات والأرض أُعدت للمُتّقين.
إذا عطش قلبك فلا تُسقه إلا بالقرآن، وإذا استوحش فلا تؤنسه إلا بذكر الرحمن.. فمن أوى إلى الله آواه، ومن فوّض أمره إلى الله كفاه، ومن باع نفسه لله اشتراه.. فطوبى لمن آواه ربه وكفاه واشتراه فرضي عنه وأرضاه.. اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة..
قراءة لصديق تكلم عن تاريخنا كيف كنا واليوم أصبحنا، بدأها قائلاً:
“السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أحبابي وأصدقائي، أنا من جيل عاش قديم الشام وجديدها..!! أكل الخبز المشروح تبع الـ 25 قرشاً للكيلو، والخبز الموحد تبع الـ 35 قرشاً، واشترى بربع ليرة سكر مع شاي تلقيمة لإبريق شاي كبير، وبثلاثة فرنكات لبناً وعليهن بفرنكين طحينة..
وبكل حارة كان السمان والخضري واللحام، وبكل رأس حارة فيجة باردة وكيلة مربوطة بسلسلة، وحمار جارٌّ طنبراً وراءه وتارك وراءه توقيعه على الأرض بالشكل والريحة، وبكل زاوية كان في حجار كلسية كنا نرسم فيها على الأرض “باريز” ونلعب زحطة..
بكل بيت عيلة، وبكل عيلة ألف قصة وقصة: حماية وكنة، سلفة وبنت أحمى، ضرة ومرت أب..
أنا من الجيل الذي تنام فيه باكراً وتستيقظ باكراً وتطالع الصحة كيف تصير، والتلفزيون دهشة متجددة، ويوم الخميس برنامج نادي الأطفال وماما فدوى ريحاوي و”ترللا ترللا.. يا أطفال كل بلادي شوفوا صار عنا نادي”..
من جيل يفتح الراديو من الصبح ليسمع برنامج “مرحبا يا صباح” وينتظر طول النهار لتمر الأغنية الحلوة، وبرنامج “ما يطلبه المستمعون”..
جيلي كان يسمع حفلات أضواء المدينة من راديو “صوت العرب”، وفي كل حفلة يجهز مسجلة “الفيليبس” البكر والميكروفون لكي يسجل الأغنية مباشرة من الراديو، ويعرف ماذا لبست أم كلثوم بالتفصيل من مذيع الحفلة..
جيلي كان يسمع الصغير فيه كلمة الكبير، ويأكل بالخبزة وما يأكل حاف، ويأكل باليمين “نونة نونة”، ولا يفتح المقص، ولا يقلب الشحاطة، ولا يسكب مياهاً غليظة (غليانة) بالبلوعة..
جيلي يأخذ 10 قروش خرجية ويفرح فيها كأنه ملك خزائن قارون، جيل الراحة والبسكويت، والسمنة والسكر، والزيت والزعتر، والزبدة والمعقود، جيل قباقيب السكر، والحيايا، والنعومة، والقضامة المكسرة والناعمة، والمطعّم، والمصاصة التي تصفّر، والشطي مطي، والملواء ودبوس القاضي وليل تالله، جيل دقة ملح الليمون مع النعناع، ومرقة مخلل اللفت، والحبلاس والزعبوب “البذر بن”..
جيل يجلب فيه كل حجي معه من الحج تلفزيونات صغيرة ملونة للأولاد، فيها صور الكعبة الشريفة ومناسك الحج، ويجلب مياه زمزم، وتمر، وقطعة من تراب مكة على شكل “نجاصة” نلحسها لكي ننجح في المدرسة..
أنا من جيل طاسة الرعبة، وقمقم ماء الزهر، وجرن الكبة، ومطحنة البن، وإبريق الشاي الخمير المغطى ببشكير، والببور الأخرس..
من جيل لوح المدرسة الصغير الأسود في الشنطة الجلد، وقلم اللوح الصابون، والإسفنجة المبلولة بالماء، والصوبيا الحطب التي كنا نضع فيها فتيش وبطاطا وبصل..
الشام شامنا يا ناس لا تنسوها وتذكروها كيف كانت وربت وصنعت أجيالها أصحاب الكلمة والموقف، وتاريخ سورية من قلب دمشق.. شام الياسمين.. الشام شامة الدنيا”.
طالع المزيد: د. سليم الخراط يكتب: القادم يا وطني هو من سيتكلم





