د. ناجح إبراهيم يكتب: أنس الشريف وداعاً.. وسلاما على د. غانم العطار
بيان
(1)
- منذ أن ظهر علي شاشة الجزيرة وجميع من يشاهده يشعر أنه سيلقي الشهاده ، رغم صغر سنه في بداية أحداث غزة إلا أنه كان يدخل إلي موقع المعارك وقصف الطيران والمدفعية ويغطي إعلامياً هذه المعارك غير هياب للموت الذي كان يحاصره من كل مكان.
- كانت زوجتي كلما رأته تتحدث تلقائيا وكأنها تحدثه ويسمعها:” يا أنس يابني خليك بعيد، أنا خائفة عليك”.
- كان الجميع يعتبره ابنه الصغير الذي دخل معتركاً خطراً أكبر من سنه ،ولكنه أثبت مع الأيام كفاءته وجدارته وشجاعته ، ورغم ذلك لم يزل ذلك الشعور يراودنا كأسرة بسيطة تراه في اليوم مرات .
- كان ينتقل من شمال غزة لجنوبها، تلقي التهديد والوعيد من الجيش الإسرائيلي مرات دون أن يثنيه ذلك عن رسالته في خدمة شعبه والتعريف بمأساة أمته في غزة.
- ثم جاءت اللحظة التي كنا جميعا نخافها ونحذرها ليس عليه فهو شهيد عظيم ولكن علي قلوبنا الجريحة المكلومه التي لا يكاد يبرأ منها جرح حتى ينزف آخر.
- كل يوم نحاول أن نغالب الأسى والجراح بضحكة مع طفل مريض او حفيد ظريف ، أو شقيق حدانا الشوق إليه أو صديق عشنا معه أياما جميلة ،ولكن هيهات فالجرح ينزف كل يوم مع جراح أمتنا التي لا تكاد تنتهي ، سلام علي الشهداء ، سلام علي أنس الشريف.
(2)
كتب د. ناجح إبراهيم مقالا بعنوان” البروفيسور غانم .. المشاهد الثلاثة” وتم نشره في جريدة الوطن، وجاء فيه الآتى:
مشهد (1)
انتشرت صور كهل فلسطينى غزاوى يرتدى ملابس بسيطة يجاوز السبعين من عمره، يغمره شعر أبيض برأسه ولحيته، يهرول وهو يحمل عدة قوارير مياه فارغة، ليدرك تعبئتها لأولاده وأحفاده الذين داهمهم العطش وأنهكهم.
كان يهرول بتلقائية وصدق، لم يتوقع أن يصوره أحد أو تنشر صورته فى مواقع التواصل الاجتماعى.
انتشرت صورته كالنار فى الهشيم، عرفه تلاميذه الكثر الذين تتلمذوا على يديه، وكلهم ضرب كفاً بكف، إنه البروفيسور والعلامة أ.د. غانم العطار، أستاذ القانون الدستورى والحاصل على الدكتوراه فى هذا العلم الدقيق من جامعة دمشق، تعاطف معه كل من يعرفه ومن لا يعرفه، هل هذا أستاذنا العظيم الذى كان يعلمنا الحق والعدل وحقوق الإنسان فى الدساتير الدولية، يجرى الآن ويلهث ليحصل على أكواب من الماء النظيف، ليروى عطش أسرته، بكى البعض وخنقتهم العبرات، كلهم شعروا وكأنهم يرون أباهم أو جدهم يهرول لإدراك أقل حقوق الإنسان، وهو رى الظمأ فى شدة هذا الحر.
مشهد (2)
ذهب إليه فى خيمته بعض تلاميذه من الصحفيين، ليُسجلوا له حديثاً سألوه عن مشاعره، وهو يعيش فى خيمة تهزّها الرياح يمنة ويسرة وتهطل عليها الأمطار شتاءً وتتحول إلى فرن صيفاً ولا يكاد يجد طعاماً مع نُدرة مياه الشرب، قال بمشاعر فياضة وعزيمة لا تلين: «رغم تعرّضنا لهذا العدوان الإسرائيلى الكبير إلا أننا صامدون فى مسقط رأسنا، فى وطننا الحبيب، فى أرض الرباط والله لن ننحنى لأحد إلا لله».
لم يكن د. غانم العطار العالم الوحيد الذى يذوق الهوان وشظف العيش فى خيمة بالية، بل إن الجيش الإسرائيلى قتل أكثر من 800 معلم وكادر تربوى، وقتل أكثر من 170 عالماً وأكاديمياً وباحثاً، حسب آخر الإحصائيات.
أما د. غانم فقد أتت الحرب على كل ما يملك، فلم يعد يملك من حطام الدنيا شيئاً. يقول د. غانم: «إن حرب التجويع التى تمارسها إسرائيل على أهلنا فى غزة هى أقسى من القصف المدفعى والجوى، فنحن نقاسى من أجل لقمة العيش لأولادنا، يذهب أحدنا ليحضر كيس طحين فيعود فى كيس أبيض هو الكفن، رغم أن إسرائيل وقّعت على المادتين ٥٥، و٥٧ من القانون الدولى، واللتين تنصان على توفير دولة الاحتلال للطعام والدواء لمن تحتلهم من المدنيين وعدم المساس بهم».
مشهد (3)
نشرت مواقع التواصل الاجتماعى وبعض القنوات الفضائية مقارنة بين صور البروفيسور غانم وهو يهرول حاملاً قوارير المياه الفارغة، وصوره أثناء حصوله على الدكتوراه، وأثناء تكريمه فى الجامعات المختلفة.
قارنوا بين الصورتين وكتبوا تحتها كلمة د. غانم الأثيرة التى اشتهرت عنه فى هذه الأيام: «لن ننحنى إلا لله».
حقاً الشعب الفلسطينى شعب يختلف عن كل الشعوب فى الصبر والجلد والتضحيات والفداء.
لقد تجولت فى التاريخ كثيراً، ووجدت أن معظم المعارك الفاصلة بين الحق والباطل كانت على أرض فلسطين خاصة، ومصر والشام عامة، ولو توحّدت مصر والشام والحجاز فلن يصمد أمامهم عدو أبداً.
سلام على د. غانم، سلام على الأحرار فى كل مكان.





