د. محمد إبراهيم بسيوني يكتب: الرد على مقال « كلية طب الفاتيكان »
بيان
كتب الدكتور خالد منتصر في المصري اليوم مقالًا بعنوان “كلية طب الفاتيكان”، حاول فيه أن يسخر من وجود كليات الطب والهندسة والعلوم داخل جامعة الأزهر، زاعمًا أن الأزهر ينبغي أن يقتصر على الدراسات الدينية وحدها، ومقارنًا إياه بجامعات الفاتيكان اللاهوتية التي لا تضم كليات مدنية.
من البداية، تبدو المقارنة مغلوطة من أساسها. فالأزهر الشريف، منذ أكثر من ألف عام، لم يكن مؤسسة دينية ضيقة، بل كان جامعة شاملة للعلوم الشرعية والطبيعية والإنسانية. في أروقته درست الطب والفلك والرياضيات واللغة، وتخرّج فيه علماء جمعوا بين الدين والعلم، وقدموا للبشرية رصيدًا معرفيًا ضخمًا سبق جامعات أوروبا الحديثة. فكيف نقارن بين مؤسسة عالمية بحجم الأزهر، ذات رسالة ممتدة عبر القرون، وبين جامعة كاثوليكية متخصصة في اللاهوت فقط؟
إبعاد الكليات المدنية عن الأزهر لا يمثل إصلاحًا، بل هو فصل مصطنع بين الدين والعلم. فهل الطبيب أو المهندس الذي يتخرّج من الأزهر أقل كفاءة أو وطنية من غيره؟ الطبيب دوره معالجة المرض، نعم، لكن ألا يحتاج أيضًا إلى ضمير حي وقيم راسخة يتشربها في بيئة أزهرية؟ الجمع بين العلم والأخلاق هو ما تحتاجه الأمة اليوم، لا صناعة أطباء بلا روح أو هوية.
أما ربط خريجي طب الأزهر بالإرهاب فهو افتراء فج. فالجماعات المتطرفة التي تورط بعض أعضائها في الإرهاب، لم تكن أبدًا نتاج الأزهر، بل على العكس؛ هي جماعات طالما كفّرت الأزهر نفسه وعلماءه بسبب وسطيته واعتداله. فهل من العدل أن نحمّل مؤسسة بأكملها جرائم أفراد ضلّوا الطريق؟!
كان يمكن للدكتور خالد منتصر أن يوجه نقده لجامعة الأزهر من زاوية التطوير والجودة؛ كأن يتحدث عن تحديث المناهج، أو تحسين مستوى التدريب الإكلينيكي في كليات الطب، أو مواجهة البيروقراطية التي تعيق البحث العلمي، أو عن ضرورة دمج خريجي الأزهر في سوق العمل بشكل أوسع وأكثر كفاءة. هذه كلها قضايا واقعية تستحق النقاش، لكن أن يحوّل النقد إلى دعوة لإلغاء الكليات المدنية من الأزهر أصلًا، فهذا ليس إصلاحًا، بل هدم للصرح من أساسه.
أما حديثه عن عدم دخول المسيحيين كليات الأزهر، فهذا أمر طبيعي لأنها جامعة إسلامية متخصصة، مثلما أن الفاتيكان لا تقبل غير الكاثوليك في كلياتها الدينية، فلكل مؤسسة مرجعيتها، ولا يعد ذلك تمييزًا بل هو اختصاص أكاديمي واضح.
الحقيقة أن مشكلة خالد منتصر ليست في اختلافه مع الأزهر، فهذا حق مشروع، بل في أسلوبه الذي يقوم على التشويه المتعمد والانتقاء السطحي للوقائع. فهو لا يناقش بعقلية الباحث الحريص على الإصلاح، بل بعقلية الكاتب الباحث عن الإثارة والضجة الإعلامية. يسقط في فخ شيطنة مؤسسة بأكملها، متجاهلًا أن الأزهر هو الذي قدّم عبر تاريخه رواد النهضة والإصلاح مثل الطهطاوي، ومحمد عبده، وعبد المتعال الصعيدي.
خطابه إذن ليس نقدًا موضوعيًا، بقدر ما هو تحامل أيديولوجي على كل ما هو أزهري وديني. الإصلاح بلا شك مطلوب، لكن الطريق إليه ليس بهدم الأزهر أو إقصائه، بل بتطويره ودعمه، لأنه سيبقى شاء من شاء وأبى من أبى حجر الزاوية للتعليم الديني والعلمي في مصر والعالم الإسلامي.
طالع المزيد:
– د. محمد إبراهيم بسيوني يكتب: أساس إعادة بناء الهوية المصرية





