د. محمد إبراهيم بسيوني يكتب: أساس إعادة بناء الهوية المصرية
بيان
مصر اليوم تعيش حالة ارتباك في هويتها؛ فلا هي حسمت أمرها لتكون دولة ذات مشروع وطني واضح، ولا انتماؤها العربي أو الإسلامي يُترجم إلى مواقف ثابتة، ولا تبنت نموذجًا اقتصاديًا أو سياسيًا محددًا، فتأرجحت بين الليبرالية والاشتراكية، وبين الدين والدولة المدنية، وبين الحرب والسلام، حتى باتت تبدو وكأنها كل شيء ونقيضه، وهذه الضبابية أضعفت صورتها وشوّهت وعي شعبها وأدخلتها في نكسة هوية تحتاج إلى إرادة صادقة لإصلاحها.
في قلب هذا الارتباك، يبرز السؤال الأساسي: ما هي مصر؟ هل هي الدولة العربية الإسلامية التي تُعتبر قلب العالم العربي، أم هي كيان مدني حديث يسعى للانخراط في العولمة الاقتصادية والثقافية؟، هذا التناقض لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج تاريخ طويل من التحولات السياسية والاجتماعية.
منذ ثورة 1952، التي أسست لجمهورية اشتراكية قومية، مرورًا بسياسات الانفتاح الاقتصادي في السبعينيات، وصولًا إلى الثورات الشعبية في 2011 و2013، شهدت مصر تغيرات جذرية دون أن تثبت على نموذج واحد.
كل نظام حاكم يحاول فرض رؤيته، لكن النتيجة هي تراكم طبقات من التناقضات، تجعل الهوية الوطنية تبدو كلوحة فنية غير مكتملة، مليئة بالألوان المتضاربة.
اقتصاديًا، يتجلى هذا الارتباك في التأرجح بين الاشتراكية والليبرالية. في عهد عبد الناصر، كانت مصر تتبنى نموذجًا اشتراكيًا يعتمد على التأميم والصناعات الثقيلة، لكن مع السادات، تحولت نحو الانفتاح على الاستثمارات الأجنبية والسوق الحرة. اليوم، نرى مزيجًا غريبًا: مشاريع عملاقة مثل العاصمة الإدارية الجديدة التي تُروج لها كرمز للحداثة الرأسمالية، بينما يظل الاقتصاد يعاني من تدخلات الدولة الواسعة في القطاعات الحيوية.
هذا التأرجح يؤدي إلى عدم استقرار، حيث يرتفع التضخم ويزداد الدين العام، دون خطة واضحة للتنمية المستدامة.
الشعب المصري، الذي يعاني من ارتفاع الأسعار والبطالة، يجد نفسه محاصرًا بين وعود الازدهار الليبرالي وذكريات الرعاية الاشتراكية، مما يعمق الشعور بالضياع.
أما سياسيًا، فالتناقض أكثر وضوحًا في العلاقة بين الدين والدولة.
مصر، كبلد يضم الأزهر الشريف كمرجعية إسلامية عالمية، تُعلن في دستورها أن مبادئ الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع، لكنها في الوقت نفسه تروج لنموذج الدولة المدنية.
هذا الازدواجية يظهر في مواقفها تجاه القضايا الداخلية، مثل مكافحة الإرهاب الذي يستغل الدين، بينما تُدعم حملات تجديد الخطاب الديني.
خارجيًا، انتماؤها العربي والإسلامي يبدو مشوشًا؛ فهي تُشارك في تحالفات مع دول خليجية ضد الإخوان المسلمين، لكنها تحافظ على علاقات مع إيران أحيانًا، وتتردد في اتخاذ مواقف حاسمة تجاه قضايا مثل القضية الفلسطينية أو الصراع في سوريا.
حتى في سياستها الخارجية، تتأرجح بين السلام مع إسرائيل، الذي أُبرم في كامب ديفيد، والدعم اللفظي للمقاومة، مما يجعلها تبدو غير موثوقة في عيون حلفائها العرب.
هذه الضبابية ليست مجرد قضية نظرية؛ إنها تؤثر مباشرة على الوعي الجماعي للشعب المصري. الشباب، الذين يشكلون غالبية السكان، يجدون أنفسهم في مواجهة تناقضات ثقافية: هل يتبعون التراث الإسلامي التقليدي، أم ينفتحون على الثقافة الغربية عبر وسائل التواصل الاجتماعي؟.
الإعلام المصري، الذي غالبًا ما يكون موجهًا، يعزز هذا الارتباك بتقديم صور متضاربة عن الهوية الوطنية، تارة كبلد سياحي حديث، وتارة كحارس للقيم الشرقية. نتيجة لذلك، ينتشر الشعور بالاغتراب داخل الوطن نفسه، حيث يفقد الناس الثقة في مؤسسات الدولة، ويزداد الانقسام الاجتماعي بين طبقات وتيارات مختلفة.
ليس كل شيء مظلمًا، فمصر تمتلك إرثًا حضاريًا هائلًا يمكن أن يكون أساسًا لإعادة بناء الهوية. الفراعنة، والإمبراطوريات الإسلامية، والثورات الحديثة، كلها تشكل نسيجًا غنيًا يمكن استغلاله لصياغة مشروع وطني متماسك.
لكن ذلك يتطلب إرادة صادقة من القيادة والمجتمع. يجب أن تبدأ الإصلاحات بتعزيز التعليم ليصبح أداة لبناء وعي وطني موحد، يجمع بين التراث والحداثة دون تناقض.
كما يلزم تبني نموذج اقتصادي يركز على التنمية البشرية، بعيدًا عن الاستدانة المفرطة، ويضمن توزيعًا عادلًا للثروة. سياسيًا، يحتاج الأمر إلى حوار وطني حقيقي يشمل كل الأطياف، لتحديد مواقف ثابتة تجاه القضايا الإقليمية، وتعزيز الديمقراطية الحقيقية التي تحترم التنوع.
في النهاية، مصر ليست مجرد دولة، بل هي حضارة حية تحتاج إلى إعادة اكتشاف نفسها.
الخروج من نكسة الهوية هذه لن يكون سهلًا، لكنه ضروري لاستعادة مكانتها كقوة إقليمية مؤثرة.
إذا استمرت الضبابية، فإنها ستعمق التحديات الداخلية والخارجية، أما إذا تحركت نحو الوضوح، فستصبح نموذجًا للدول العربية في بناء هوية قوية ومتماسكة. الوقت يدق، والإرادة الصادقة هي المفتاح.
اقرأ أيضا للكاتب:
– د. محمد إبراهيم بسيوني يكتب: العدالة الحقيقية فى قانون الإيجار





