انتخابات بلا ناخبين: ديمقراطية النظام السورى الجديد على المحك

كتب: أشرف التهامي
من المقرر إجراء الانتخابات البرلمانية السورية خلال النصف الثاني من سبتمبر/أيلول 2025.
وكان من الممكن أن تُمثل هذه الانتخابات نقطة تحول حاسمة للنظام الجديد ومستقبل البلاد. ومع ذلك، يبدو، مرة أخرى، أن العملية مُصممة لإبراز صورة الشرعية أمام المجتمع الدولي أكثر منها لعكس أي تغيير حقيقي في الوضع الداخلي.
ستكون هذه أول انتخابات في سوريا منذ سقوط نظام الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024. وسيكون المجلس المنتخب حديثًا مسؤولاً عن رسم مستقبل البلاد، حيث سيُكلف بصياغة دستور دائم، وتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية، وتعزيز مؤسسات الدولة.
نمط العملية الانتخابية
بدلاً من الانتخابات العامة، ستعتمد العملية الانتخابية على هيئات انتخابية تنتخب ممثلين عن كل محافظة. من بين 210 مقاعد في مجلس الشعب، سيُعيّن الرئيس المؤقت أحمد الشرع ثلثها مباشرةً.
أما الثلثان المتبقيان، فسيتم اختيارهما من قبل لجان فرعية تُعيّنها اللجنة العليا للانتخابات. وسيتم توزيع المقاعد وفقًا للمحافظات وعدد السكان.
أوضح محمد طه الأحمد، رئيس اللجنة العليا للانتخابات، توزيع المقاعد بين المحافظات حيث :
- حصلت حلب على الحصة الأكبر بـ 32 مقعدًا، تليها دمشق وضواحيها بـ 22 مقعدًا (10 مقاعد للعاصمة و12 لمحيطها).
- حصلت حمص وحماة على 12 مقعدًا لكل منهما، وإدلب على 12 مقعدًا، والحسكة ودير الزور على 10 مقاعد لكل منهما.
- أما اللاذقية، فحصلت على 7 مقاعد، ودرعا والرقة على 6 مقاعد لكل منهما، وطرطوس على 5 مقاعد، وأخيرًا السويداء والقنيطرة على 3 مقاعد فقط لكل منهما.
ووفقًا لمسؤولي النظام، لا يسمح الوضع الراهن في سوريا بإجراء انتخابات مباشرة، نظرًا لاستمرار نزوح العديد من المواطنين، وافتقارهم إلى وثائق ثبوتية، وعدم وجود إحصاء سكاني دقيق أو سجل ناخبين.
ومع ذلك، يرى بعض خبراء الشرق الأوسط أن هذه الانتخابات، في ظل الظروف الراهنة، تُعدّ خطوة مهمة وإيجابية لسوريا، وتُمثل تحسنًا ملحوظًا مقارنةً بالماضي. ويؤكدون أن إجراء الانتخابات، حتى في نطاق محدود، يُعزز عملية بناء سوريا ديمقراطية.
حظر الانتخابات في ثلاث محافظات لدواع أمنية
في 23 أغسطس/آب، أعلنت الحكومة السورية أنه لدواعٍ أمنية، لن تُجرى الانتخابات في ثلاث محافظات: السويداء، والحسكة، والرقة. وتقرر عدم إجراء الانتخابات في هذه المحافظات حتى تستقر الأوضاع الأمنية.
ووفقًا للمتحدث باسم اللجنة الانتخابية، الدكتور نوار نجمة، لا يمكن إجراء الانتخابات إلا في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة. وستُحجز المقاعد المخصصة لهذه المحافظات في البرلمان ريثما تُجرى الانتخابات.
وقد شهدت هذه المحافظات اشتباكات عنيفة بين الأقليات الدرزية (السويداء) والأكراد (الحسكة والرقة) وقوات النظام، ولا يزال هناك صراع بينهم وبين النظام حول مكانتهم ومكانتهم في البلاد (الاندماج مقابل الاستقلال).
وتُعرب الأقليات في هذه المحافظات مرارًا وتكرارًا عن عدم ثقتها بالنظام وقدرته على حمايتهم وحماية مصالحهم، ولن يحصلوا على تمثيل في الانتخابات حتى الآن.
مراقبة العملية الانتخابية
ستتمكن المنظمات السورية والدولية من مراقبة العملية الانتخابية، بالإضافة إلى ذلك، ستُعيّن كل محافظة محامين لضمان مصداقية وشفافية الإجراءات. وتقوم العديد من المنظمات والجمعيات المحلية بتنفيذ برامج تدريبية وتوعوية قبل الانتخابات، بما في ذلك ورش عمل لأعضاء لجان الانتخابات المحلية، وحملات لرفع وعي الناخبين، والاستشارة المهنية في حل النزاعات، من أجل ضمان إدارة الانتخابات بشكل شفاف وفعال.
في الانتخابات المقبلة، لن يصوت المواطنون السوريون لممثليهم، لا بشكل مباشر ولا غير مباشر. هذه الانتخابات ليست سوى خطوة إجرائية رمزية تهدف إلى تقديم النظام الجديد في صورة ديمقراطية، مع أن الشعب السوري عمومًا، والأقليات السورية خصوصًا، لن يحصلوا عمليًا على تمثيل في المجلس الجديد، وستبقى السلطة في أيدي الشرع وشعبه.
الهدف هو تعزيز شرعية النظام من خلال خلق واجهة لنظام سياسي فاعل دون منح تمثيل متساوٍ للمواطنين أو السماح بإجراءات ديمقراطية سليمة.
استرضاء الدول الغربية
هذه خطوة أخرى تهدف إلى استرضاء الدول الغربية لكسب الدعم والمساعدة، دون أي التزام من النظام ببناء نظام سياسي تعددي يحمي حقوق جميع المواطنين السوريين.
إن استعداد الغرب والمجتمع الدولي للاكتفاء بتصريحات وتصريحات فارغة دون إجراءات ملموسة من النظام لتعزيز إدماج جميع المواطنين السوريين في النظام السياسي، والاستقرار والأمن الداخليين، وبناء المؤسسات الديمقراطية، أمرٌ إشكالي، ويشجع النظام السوري على تقديم حلول سطحية دون معالجة التحديات العديدة لإعادة إعمار سوريا.
إلى جانب المساعدات الاقتصادية، يتعين على المجتمع الدولي دعم سوريا في تعزيز مؤسسات الدولة، وإدارة النزاعات الداخلية، وتعزيز العمليات الديمقراطية.
المشاكل الأمنية في سوريا
تُشكل المشاكل الأمنية في سوريا تحديًا كبيرًا، لكن على النظام الملتزم بإجراءات ديمقراطية أن يجد طريقةً تسمح لجميع المواطنين بالتصويت بأمان وعدم منع مشاركتهم في الانتخابات.
يواجه النظام في سوريا تحديًا داخليًا مزدوجًا:
- العلاقات بين الأقليات داخل سوريا.
- العلاقات بين مختلف الأقليات والنظام.
تتطلب هذه القضايا حلًا سياسيًا معقدًا، وإنفاذًا للقانون والنظام من قبل قوات الشرطة العاملة تحت إمرة النظام، والتي تحمي جميع المواطنين.
يتطلب كل هذا نظامًا سياسيًا مستقرًا وشاملًا، قادرًا على توفير حلول مناسبة لجميع المواطنين. ما لم يُنشأ نظام سياسي مسؤول وشفاف وتعددي في سوريا، فلن تُسهم الانتخابات الحالية في إعادة تأهيل الدولة.
إن تعليق الانتخابات عن الأقليات وإقصاء المواطنين ليسا خطوةً إلى الأمام، بل عودةً إلى مسار القمع المألوف الذي يُهدد مستقبل سوريا.





