تحليل لخطاب صحيفة إسرائيلية في تغطية القمة العربية الإسلامية بقطر
كتب: عاطف عبد الغنى وأشرف التهامى
لم يكن تناول صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية للقمة العربية الإسلامية الطارئة في قطر محض تغطية خبرية عابرة، بل حمل في طيّاته رسائل وتلميحات مدروسة، تكشف الكثير عمّا يدور داخل دوائر صنع القرار في تل أبيب، كما تعكس محاولات الإعلام العبري لإعادة تشكيل وعي جمهوره حيال المشهد العربي المعقّد.
في تقرير تحليلي نُشر عبر موقع الصحيفة، جاء التركيز اللافت على خطاب الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي اختار توجيه رسالته مباشرة إلى الشعب الإسرائيلي، متجاوزًا قيادته السياسية.
وعلى الرغم أن العنوان الظاهري حمل إشادة بالسيسي واصفًا إياه بـ”القائد المخضرم الذي يجب أن تُؤخذ كلماته على محمل الجد”، فإن القراءة المتأنية تكشف أن الأمر أبعد من مجرد المدح.
الإشادة المبطّنة: تكتيك معروف
التقارير الإسرائيلية، وبالأخص في المنصات التي تستهدف الرأي العام الغربي والإسرائيلي، تستخدم أسلوب “الإشادة الظاهرية” كأداة لنقل رسائل معقدة.
والإشادة بالرئيس السيسي هنا ليست منفصلة عن انتقادها غير المباشر للقادة العرب الآخرين، بل هي محاولة لخلق صورة “الزعيم المسؤول” في مقابل “الرؤساء والسياسيين العرب” في محيطه، ما قد يُسهم في عزله عن بيئته العربية سياسيًا وشعبيًا.
الهجوم على نتنياهو: تكتيك داخلي بوجه خارجي
أما انتقاد الصحيفة لسياسات بنيامين نتنياهو، ووصفها بأنها تُهدد استقرار المنطقة، فقد يبدو وكأنه موقف موضوعي أو نقد ذاتي. لكنه في جوهره يُستخدم كأداة لإعادة ضبط العلاقات مع بعض الدول العربية التي شعرت بالحرج من التعامل مع حكومة يمينية متطرفة في تل أبيب.
الحديث عن “إحباط عربي من نتنياهو” لا يعبّر عن تعاطف حقيقي مع العالم العربي، بل يسعى لتجنيب إسرائيل كدولة المسؤولية الجماعية، وتحميل الفشل السياسي لشخص نتنياهو فقط.
السلام كغطاء والرسائل موجهة للجميع
حديث السيسي عن تأثير الحرب على مستقبل السلام، وتأكيده على أمن الشعبين، فُسّر من قبل الصحيفة على أنه “نداء مباشر” إلى الإسرائيليين، وليس حكومتهم.
هذا التفسير لا يخلو من خبث سياسي، إذ يُستخدم لتكريس فكرة أن “العرب المعتدلين” يريدون السلام، لكن “قياداتهم أو شعوبهم” تضع العراقيل. هنا، تلعب الصحيفة على وتر الانقسام الداخلي العربي، وتلمّح إلى أن التطبيع لا يزال على الطاولة إذا ما تغيّرت الظروف والقيادات.
قمة قطر في الرواية الإسرائيلية: صخب بلا نتائج
تصوير القمة على أنها “صاخبة لكنها بلا قرارات عملية” يكشف عن نية واضحة لتقليل قيمتها الاستراتيجية، والتقليل من أهمية الموقف العربي المشترك.
والإشارة إلى غياب محاولات تشكيل “اتحاد عربي إسلامي” ضد إسرائيل تهدف إلى بث شعور بأن إسرائيل لا تزال قادرة على المناورة، وأن خصومها متفرقون وضعفاء.
قطر ومصر كوسطاء: بقاء الأدوار مع تغيير اللهجة
وعلى الرغم من الغارة الإسرائيلية على الأراضي القطرية، تُشير الصحيفة الإسرائيلية إلى أن الدوحة لم تغيّر موقفها من دور الوساطة.
ورغم وصف نتنياهو بأنه مستعد لقطع العلاقات مع قطر، فإن التلميح لعلاقاتها الممتازة مع واشنطن و”دعم ترامب” يُعيد توجيه البوصلة نحو اللعبة الأمريكية – الإسرائيلية – الخليجية، حيث المصالح تتقدّم على المبادئ.
المنطقة في نظر إسرائيل: انقسام وإفلاس ويأس
تنتهي الصحيفة بوصف قاتم للوضع في العالم العربي: انقسامات، إفلاس، تصاعد الغضب الشعبي، وصراع داخلي بين جيل الشباب والإسلاميين، في مقابل إسرائيل التي تحاول، حسب زعمهم، الحفاظ على علاقات مع من يمكنه “الاستماع والتشاور”. هذه النظرة النمطية للعرب، والمثالية الذاتية الزائفة لإسرائيل، ليست جديدة، لكنها تُستخدم هنا لخلق رواية تستهدف إحباط المتلقي العربي من قادته ومؤسساته الإقليمية.
لا تنخدع
.. لا تنخدع فى كلمات الإطراء، ولا النقد، فصحيفة يديعوت أحرونوت لم تكن تسعى إلى تقييم حيادي للقمة، ولا إلى الإشادة الحقيقية بالسيسي، بل استخدمت أدوات “المدح التكتيكي” و”الانتقاد المدروس” لتوجيه رسائل إسرائيلية إلى الداخل والخارج في آنٍ واحد:
-
للداخل الإسرائيلي: نتنياهو يضر بالمصالح، وهناك بدائل عربية يمكن العمل معها.
-
للعرب: أنتم منقسمون، قادتكم عاجزون، والسلام لا يزال ممكنًا لو خضتم الطريق بشروطنا.
-
للمجتمع الدولي: إسرائيل وحدها ليست المذنب؛ المشكلة في القيادات والشعوب على حد سواء.
وفى النهاية نؤكد على أن المقال ما هو إلا ورقة موقف سياسية أكثر من كونه تحليلًا صحفيًا، ويعكس كيف تُوظف الصحافة الإسرائيلية كأداة ضغط ناعمة ضمن استراتيجية القوة الذكية (Smart Power) في منطقة مضطربة.





