اكتشاف مسار عصبي جديد لتخفيف الألم دون تعطيل التعافي
كتب: ياسين عبد العزيز
كشفت دراسة علمية حديثة نشرت في مجلة “نيتشر” عن طريقة جديدة لتخفيف الألم بشكل أكثر أماناً من الاعتماد على المسكنات التقليدية مثل الإيبوبروفين والأسبرين، حيث ركز الباحثون على مستقبل عصبي يسمى EP2 موجود في الخلايا الداعمة للأعصاب والمعروفة بخلايا شوان.
اكتشاف كهف روماني مغلق يكشف أسرارا عن الحياة القديمة والبيئة
وأظهرت النتائج أن تعطيل هذا المستقبل يساهم في تقليل الإحساس بالألم دون أن يؤثر على عملية الالتهاب الطبيعية أو يبطئ من التعافي، وهو ما يمنح المرضى أملاً كبيراً في علاج آمن وفعال بعيداً عن المخاطر المرتبطة بالمسكنات الحالية.
أوضح العلماء أن المسكنات الشائعة تعمل عبر تثبيط إنتاج مادة البروستاجلاندين التي تعد مسؤولة عن ظهور الالتهاب في الجسم من خلال التورم والاحمرار والشعور بالألم، لكنها في الوقت ذاته تلعب دوراً محورياً في تحفيز آليات الشفاء الطبيعية، وعليه فإن منعها يقلل الألم لكنه يعطل جزءاً من وظائف الجسم الدفاعية، كما أن الاستعمال المستمر لهذه الأدوية يرتبط بآثار جانبية تشمل نزيف المعدة وأمراض القلب ومشكلات الكلى، وهو ما يجعل البحث عن بدائل أكثر أماناً ضرورة طبية ملحة.
أجريت التجارب على الفئران حيث قام الباحثون باستخدام تقنيات تعديل الجينات لتعطيل مستقبل EP2 في الخلايا العصبية، ولوحظ أن الحيوانات أظهرت انخفاضاً ملحوظاً في مستويات الألم عقب الإصابات مع استمرار الالتهاب الطبيعي الذي يساهم في التعافي، وهذا يعني أن الجسم استطاع متابعة عملية الشفاء دون تعطيل، وهو ما لم يكن ممكناً عند استخدام المسكنات التقليدية التي تؤثر على مسارات الالتهاب بشكل كامل.
يرى الخبراء أن هذه النتائج تمهد الطريق لتطوير عقاقير جديدة تستهدف مستقبل EP2 في الخلايا العصبية البشرية، ما سيمكن الأطباء مستقبلاً من وصف مسكنات أكثر أماناً تعمل على تخفيف الألم فقط دون المساس بوظائف الجسم الأساسية، ورغم أن الدراسة أجريت على الحيوانات فإن المرحلة المقبلة ستتضمن تجارب سريرية على البشر لاختبار مدى الفاعلية والأمان قبل اعتماد هذه العقاقير في الاستخدام الطبي.
تتزايد الحاجة إلى مثل هذه البدائل بسبب انتشار الإفراط في استهلاك المسكنات في مختلف أنحاء العالم، حيث يؤدي ذلك إلى مضاعفات خطيرة على الكبد نتيجة تراكم السموم الدوائية، كما يزيد من احتمالات الإصابة بالأزمات القلبية وأمراض الأوعية الدموية، إلى جانب التسبب في مشاكل بالمعدة والأمعاء مثل النزيف أو الانسداد المزمن، فضلاً عن المخاطر المرتبطة بالمسكنات الأفيونية التي قد تؤدي إلى انهيار الأوردة عند الحقن ورفع احتمالية العدوى.
يشير العلماء إلى أن نجاح هذه الآلية على المدى الطويل قد يفتح الباب أمام ثورة في علم الأعصاب وعلاج الألم، حيث يمكن أن يقل اعتماد المرضى على المسكنات التقليدية لصالح أدوية تستهدف الخلايا العصبية بدقة أكبر وبآثار جانبية أقل، مما يمثل خطوة كبيرة نحو علاج مستقبلي أكثر أماناً ويعزز جودة حياة ملايين المرضى الذين يعانون من الألم المزمن حول العالم.





