أطفالنا وشاشات العصر الرقمي بين اللعب والإدمان.. فى “بيت السعادة”
كتب: على طه
في زمن تحوّلت فيه الشاشات إلى جزء لا يتجزأ من تفاصيل حياتنا اليومية، يقف الأهل أمام تساؤلات حاسمة:
هل التكنولوجيا خطر دائم؟ هل كل ألعاب الفيديو مفسدة؟ وهل يمكن أن تكون وسيلة لتنمية المهارات؟ بل والأهم: أين يقف الخط الفاصل بين التسلية والإدمان؟
في حلقة خاصة من برنامج “بيت السعادة”، استضاف الإعلامية لمى المفتى الدكتور أحمد فوزي صبرة، استشاري الصحة النفسية، فى حلقة خاصة من برنامجها “بيت السعادة” على قناة “هى” ليفكك هذه الإشكاليات المعقدة، ويوجه بوصلة الأسرة نحو التوازن والوعي.
من التسلية إلى الإدمان.. أين يختبئ الخطر؟
أوضح د. صبرة أن أصل الفكرة في ألعاب الفيديو لم يكن سيئًا، بل هي أداة ترفيهية ممتعة قد تنمّي مهارات ذهنية واجتماعية. لكن الخطورة تكمن في كيفية الاستخدام، وتحديدًا عندما تتحول إلى بوابة للعنف، العزلة، أو حتى السلوكيات الجنسية المنحرفة.
وشرح د. صبرة أن الطفل الذي يستمتع باللعبة ثم يتوقف بسهولة، لا يمثل قلقًا. أما الطفل الذي لا يستطيع ترك الجهاز، ويظهر عليه تدهور في النوم والدراسة والسلوك، فقد دخل بالفعل في مرحلة الإدمان السلوكي، وهي حالة تؤثر على كيمياء المخ بشكل مشابه لإدمان المخدرات.
السن المناسب.. متى يبدأ المنع؟
وحذّر د. صبرة من تعرّض الأطفال دون سن السنتين لأي شاشة. فالعقل في هذه المرحلة لا يزال في طور النمو، وأي مؤثر بصري أو تفاعلي قد يضر بالتطور الطبيعي. من عمر سنتين إلى ست سنوات، يُنصح بتقليل ساعات التعرض للشاشات بشكل كبير، وتوجيه الطفل نحو أنشطة تفاعلية ومجتمعية.
ومع تقدم السن، يمكن استخدام التكنولوجيا بحذر، خصوصًا لأغراض دراسية، لكن مع ضرورة عدم دمج الترفيه بالدراسة على نفس الجهاز، لأن ذلك يُحدث تشويشًا وانفصالاً عن الواقع.
كيف نحمي أبناءنا ؟
التوجيه يبدأ قبل أن يغرق الطفل في العالم الافتراضي، ويكمن الحل في الرقابة الواعية، لا في القمع. فالأب والأم مطالبان بأن يكونا حاضرين، مطّلعين على نوع الألعاب التي يستخدمها أبناؤهم، وفهم سنها المستهدف، وهل تحتوي على شات تفاعلي مع غرباء أم لا.
وحذّر د. صبرة من خطورة ترك الأطفال لمحتوى لا يناسب أعمارهم، خاصة المحتويات التي تُدخلهم في حوارات دينية، سياسية، أو حتى جنسية، دون أن يكون لديهم الوعي الكافي للتعامل معها.
المراهقة والعدوانية الإلكترونية
خلال الحلقة، استقبل البرنامج عدة مداخلات من أولياء أمور، من بينهم سيدة تشتكي من طفليها (10 و14 عامًا) الذين لا يمكن السيطرة على استخدامهم للهواتف، إضافة إلى تغيّرات سلوكية عدوانية.
ردّ د.صبرة مؤكدًا أن سن المراهقة بطبيعته يتمرد على السلطة، لذلك الحوار والصداقة هما الأسلوب الوحيد الفعّال. “المراهق لا يحتاج إلى أوامر، بل إلى شريك يسمعه ويشجعه”، يقول صبرة.
وحين اشتكى أحد المتابعين من طفل عنيف في تعامله مع زملائه، أشار الدكتور إلى أن العلاج لا يكون فقط بالمنع، بل بإعادة تأهيل السلوك من خلال الرياضة، التي تساعد في تفريغ الطاقة السلبية وتعليم الطفل التحكم في قوته واحترام خصمه.
ألعاب مفيدة.. لكن بشروط
وعن الوجه الآخر للتكنولوجيا، أكّد د. صبرة أن هناك بالفعل ألعابًا تساهم في تطوير مهارات الطفل، مثل ألعاب الذكاء، الألغاز، والتفاعل الصوتي في برامج التخاطب، والتي تستخدم الآن كأدوات علاجية فعّالة.
فالألعاب يمكن أن تساهم في تحسين النطق، سرعة البديهة، التركيز، بل وحتى تطوير المهارات الاجتماعية — بشرط أن تكون مُختارة بعناية، ومناسبة لعمر الطفل وحاجاته.
سُكر إلكتروني لا يُشبع
أما السوشيال ميديا، فقد وصفها د. صبرة بأنها أخطر من ألعاب الفيديو، لأنها تقوم على مبدأ “التمرير اللانهائي”، الذي يُغرق الطفل والمراهق في دوامة من المحتوى المشتت بلا هدف، مما يؤثر على التركيز، المزاج، وأحيانًا يُسبب إدمانًا حقيقيًا.
وذكّر الدكتور بأن أولادنا يقلدوننا نحن — الآباء والأمهات. فإذا كنا مدمنين على هواتفنا، فلا عجب أن يصبحوا هم كذلك. “الأطفال أنفسهم باتوا يشتكون من غياب الحوار داخل الأسرة”، يقول صبرة، مشددًا على أن العزلة الرقمية داخل البيت أصبحت من أهم مسببات المشاكل النفسية والاجتماعية.
الخلاصة
-
التكنولوجيا ليست العدو.. لكن الاستخدام غير الواعي هو المشكلة.
-
المراقبة الفعّالة تبدأ بالحب، لا بالأوامر.
-
لكل مرحلة عمرية حدود، يجب أن تُحترم.
-
الصداقة والحوار هما المفتاح للتأثير على المراهقين.
-
الأهل قدوة.. والسوشيال ميديا مرآة لتقصيرهم.
في الختام، وجّه البرنامج رسالة حاسمة لكل بيت:
“أولادنا لا يحتاجون إلى حظر، بل إلى من يحتضنهم بوعي. التكنولوجيا لا تربي.. أنتم من يفعل.”





