الإلهام من نيبال والألم من الواقع المحلي: موجة احتجاجات شبابية عابرة للحدود

كتب: على طه

  حشود من الشباب فى الشوارع، هواتفهم في الأيدي، شعاراتهم بسيطة ومباشرة، وسقف مطالبهم يتجاوز حدود الممكن المعتاد، وعلى الرغم من الصورة النمطية عن عزوف جيل الشباب العشرينى عن السياسة التقليدية، إلا أن الوقائع الأخيرة تكشف عكس ذلك تمامًا. فقد بثت وسائل الإعلام مشاهد لشباب يقودون مظاهرات في شوارع كاتماندو (نيبال)، جاكرتا (إندونيسيا)، الرباط (المغرب)، وأنتاناناريفو (مدغشقر).

هذه ليست موجة احتجاج عابرة، بل ملامح جيل جديد يُعيد تعريف السياسة على طريقته الخاصة.

ليلة الرباط المشتعلة

مساء أمس الخميس، الثانى من أكتوبر 2025، خرج آلاف الشباب في مدن مغربية عدة، أصوات الهتافات امتزجت بدخان إطارات مشتعلة، وأعين المتظاهرين تعكس مزيجًا من الغضب والأمل.

كانوا يرددون: “نريد مدارس أفضل.. نريد مستشفيات حقيقية”، بينما تركز بعض اللافتات على الملايين التي تُنفق على ملاعب كرة القدم استعدادًا لكأس العالم 2030.

لكن المظاهرات لم تمر بسلام، فقد أعلنت وزارة الداخلية مقتل ثلاثة أشخاص، معلنة أنهم حاولوا الاستيلاء على أسلحة الشرطة.

شهادة الشارع، من جانبها، لم تؤكد الرواية الرسمية، لكن ما تأكد للجميع هو أن المغرب يعيش واحدة من أكبر موجات الاحتجاج منذ سنوات.

من الشاشة إلى الشارع في مدغشقر

وعلى بعد آلاف الكيلومترات جنوبًا، وتحديدًا في مدغشقر، وُلدت حركة “Gen Z Madagascar” على صفحات وسائل التواصل.

شباب وطلاب، غالبيتهم لم يتجاوزوا الخامسة والعشرين، قرروا أن يترجموا غضبهم الرقمي إلى فعل حقيقي.

تقول الباحثة السياسية كيتاكاندريانا رافيتوسون: “للمرة الأولى نشهد حركة أفقية بالكامل، بلا قادة ولا أحزاب ولا نقابات. غضب جماعي انبثق من الفضاء الرقمي ثم تحوّل إلى فعل جماعي في الشوارع.”

وتضيف: “قوتهم لا تكمن في السعي إلى السلطة، بل في مطالبتهم الوجودية بمستقبل يمكن العيش فيه.”

ثقافة رقمية مشتركة.. وسخرية لاذعة

جيل “زد” يعرف كيف يوظّف أدواته. هاشتاغات تنتشر بسرعة البرق، صور معدلة بالذكاء الاصطناعي تُحوّل السياسيين إلى مادة للسخرية، ومقاطع فيديو قصيرة تشحن الغضب الشعبي.

في مدغشقر مثلًا، تحوّل اقتراح الرئيس أندري راجولينا بتعيين وزراء عبر “لينكد إن” إلى موجة من النكات الساخرة على الإنترنت. كما تبنّى المتظاهرون علم القراصنة الشهير من سلسلة “ون بيس” بعد تعديله بإضافة لمسات محلية ليصبح رمزًا لمقاومتهم.

الإلهام من نيبال.. والألم من الواقع المحلي

الكثير من شباب مدغشقر اعترفوا بأنهم استلهموا حركتهم من المظاهرات التي أطاحت بحكومة نيبال في سبتمبر الماضي. تقول شابة في السادسة والعشرين من عمرها – رفضت ذكر اسمها لدواعٍ أمنية: “ما حدث في نيبال منحنا الأمل بأن التغيير ممكن، وأننا لسنا محكومين باليأس إلى الأبد.”

لكن جذوة الغضب هنا ليست مستوردة بالكامل. فكيف لا ينفجر الغضب في بلد يعيش ثلثا سكانه بأقل من دولارين يوميًا، بينما يتباهى أبناء النخبة بتعليمهم في مدارس أوروبية تكلف مئات آلاف اليوروهات سنويًا؟

المغرب.. مطالب تتكرر لكن بلسان جديد

في المغرب، يرى عالم الاجتماع مهدي عليوة أن الشعارات لم تختلف كثيرًا عن موجات احتجاج سابقة: “الكرامة، العدالة الاجتماعية، التعليم والصحة للجميع.”

لكن الاختلاف، برأيه، يكمن في أدوات التعبئة. شباب الجيل الجديد يجتمعون على منصات مثل ديسكورد، يصوغون رسائلهم بسرعة، ويطلقون حملات رقمية تتجاوز الحدود.

بين الأمل والهشاشة

رغم جرأتهم وابتكارهم، لا تزال هذه الحركات معرضة لخطر التفكك أو الاستغلال من قبل قوى سياسية تقليدية، وهنا يطرح السؤال نفسه: هل يمكن لجيل “زد” أن يحوّل غضبه الجماعي إلى مشروع منظم يطرح بدائل حقيقية؟

لكن ما يبدو واضحًا، بحسب رافيتوسون، أن ما يحدث ليس “انتفاضة عابرة” بل تحول جذري في علاقة جيل كامل بالسياسة والمجتمع.
“جيل زد لم يعد يتحدث عن البقاء داخل نظام معطوب، بل عن إعادة صياغته بالكامل. نحن أمام لحظة مفصلية قد تغيّر وجه العالم.”

طالع المزيد:

احتجاجات شبابية متصاعدة في المغرب.. وتنامي الغضب من تردي الخدمات

زر الذهاب إلى الأعلى