د. على الدين هلال يكتب: أكبر من غزة

بيان

في السياسة يوجد أمران «الظاهر» و«الباطن».الظاهر هو الاجتماعات التي تتم، والوقائع والتحولات التي تجري، والمُعلنة للجميع، أما الباطن فهو ما يجري قبل هذه الاجتماعات ويُمهد لها أو ما يتم فعلا في داخل هذه الاجتماعات ولا يعلن عنه.

وعبر حياتي العملية، شاركت في عديد من الاجتماعات والمباحثات التي جاء بيانها الختامي مُختلفًا بالمرة عما حدث فيها.

ويزخر تاريخ المنطقة بأحداث توضح بجلاء هذا المعنى. فإبان الحرب العالمية الأولى، انشغل المندوب السامي البريطاني بالقاهرة، مكماهون، في تبادل رسائل مع الشريف حُسين حاكم مكة، ووعده باستقلال البلاد العربية في حالة تأييد العرب لبريطانيا في الحرب.

وفي نفس الوقت، كان السير مارك سايكس مبعوث الحكومة البريطانية يتقاسم السيطرة على البلاد العربية مع نظيره الفرنسي فرانسو بيكو، فيما عرف باسم اتفاقية «سايكس-بيكو»، والتي ظلت سرية حتى نشوب الثورة البلشفية في روسيا عام 1917، ونشرها لها. وعلى سبيل المثال أيضًا، عندما شنت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل العدوان الثلاثي على مصر في أكتوبر 1956، أعلنت لندن وباريس أنهما تدخلا لحماية حرية الملاحة في قناة السويس، والفصل بين القوات المُتحاربة.
وكان هذا هو الظاهر. أما الباطن والحقيقي أن هذا الاعتداء كان نتيجة اتفاق سري تم التوقيع عليه في مدينة سيفر الفرنسية وكشف عنه النقاب في حقبة الستينيات.
وعندما اغتيل قاسم سليماني قائد فيلق القُدس الإيراني في 3 يناير 2020، كان الاعتقاد السائد أنها عملية أمريكية إسرائيلية. وأكدت إسرائيل وقتها أنه قرار أمريكي بحت، حتى كشف الرئيس ترامب أن العملية كانت ثمرة تخطيط وتنسيق مُشترك بين البلدين حتى اليوم السابق لتنفيذها حين أخبره نيتانياهو بأن إسرائيل لن تشارك في التنفيذ، فقرر ترامب المُضي قُدمًا بمفرده، والأمثلة كثيرة.
أكتب هذه الكلمات بمناسبة الأحداث المتلاحقة المرتبطة بفلسطين، ابتداء من حملة الاعترافات بالدولة الفلسطينية، والتي ترافقت مع الهجوم الدموي البري الذي شنته القوات الإسرائيلية لإعادة احتلال غزة.
فالهجوم الإسرائيلي على قطر في 9 سبتمبر 2025 وما تلاه من انعقاد مؤتمرات لقادة الدول الخليجية والعربية والإسلامية.

فازدياد نشاط الدبلوماسية الأمريكية للوصول إلى تسوية، واجتماع الرئيس ترامب مع ممثلي الدول العربية والإسلامية في 23 سبتمبر، وحضوره اجتماعًا موسعًا لمُعاونيه لبحث هذا الموضوع، ضم صهره كوشنر، لبحث خطة للسلام تردد أنه أعدت بواسطة مركز بحثي يديره توني بلير رئيس الوزراء البريطاني الأسبق.

ثُم إعلان ترامب هذه الخطة في 29 سبتمبر 2025 في مؤتمر صحفي حضره نيتانياهو الذي أعلن موافقته عليها.

تلاحقت موافقات الدول العربية والإسلامية والأوروبية للخطة باعتبارها فرصة ذهبية لصُنع السلام في فلسطين، وتوجها رد حماس التي وافقت من حيث المبدأ على الخُطة مع إشارتها إلى ضرورة إجراء المزيد من المفاوضات بشأن تنفيذ بعض البنود، والتي أعقبها بداية المفاوضات في مدينة شرم الشيخ يوم 6 أكتوبر.

ومع أن بؤرة الخطة هي غزة واليوم التالي فيها بعد وقف إطلاق النار، فإن هناك تداعيات وأبعاد إقليمية ينبغي أخذها بعين الاعتبار منها ما عبرت عنه مصر من قلق بسبب استمرار القوات الإسرائيلية في احتلال ممر صلاح الدين «فيلاديلفيا» والمُلاصق مُباشرة للحدود المصرية. وباعتبارها مُخالفة لاتفاقية السلام بين البلدين التي تشير صراحة إلى الحدود بين مصر وفلسطين تحت الانتداب البريطاني.

ويتطلب تطبيق هذه الخطة مشاركة إقليمية على عدة مستويات فقد يشارك ممثلون لبعض هذه الدول في مجلس إدارة ما أسماه ترامب بهيئة السلام التي يترأسها، والمُشاركة في القوات الدولية والعربية التي ستقوم بمهمة حفظ الأمن، والمُشاركة المالية في إعادة إعمار غزة.

يظهر البُعد الإقليمي كذلك في كفالة وضع ضمانات لاتباع إسرائيل سياسة حُسن الجوار وعدم اللجوء إلى القوة في علاقاتها مع الدول العربية، وذلك لأن الهجوم الإسرائيلي على قطر أوجد شعورًا بعدم الأمان بين الدول الخليجية، وأثار مخاوفها بشأن الضمانات الأمريكية لها، وأنها لا ترقى إلى مُستوى الأمن الجماعي.

دفع هذه التخوفات ترامب إلى إصدار أمر تنفيذي لوزير الحرب يقضي بأن أي اعتداء على دولة قطر يمثل اعتداء على الولايات المُتحدة، وأن على الجيش الأمريكي أن يتصرف وفقًا لذلك، ثم أن كل الدول العربية حريصة على استمرار الأفق السياسي لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وألا يتحول أي اتفاق إلى هُدنة مؤقتة أو ترتيب مرحلي وهو ما تسعى إليه إسرائيل.

ومن الأرجح، أن تستمر الدول العربية في العمل على إيجاد الظروف المؤهلة لإقامة الدولة الفلسطينية على الأراضي المُحتلة في حرب 1967، وأن يترافق ذلك مع مُشاركة دول عربية أخرى في الاتفاقات الإبراهيمية.

وفي وسط هذا الزخم من تلاحق الأحداث، تراجع الحديث عن إيران وبرنامجها النووي، وعبر بيان وزارة الخارجية الإيرانية عن تأييد حذر لرد حماس على خُطة ترامب مُشيرة إلى أن هناك بنودًا خطيرة في الخطة يتطلب الأمر التوقف عندها.

تُدرك إيران أن البيئة الاستراتيجية في المنطقة قد تغيرت، وأنها لم تعُد تملك نقاط الدفاع المُتقدم التي كانت لديها من قبل، وأن نجاح تطبيق الخطة على الأقل في مراحلها الأولى رُبما يغري إسرائيل وأمريكا بتوجيه ضربة لإيران إذا قامت بالتحرك لإفشالها.

في المُقابل، نتوقف أمام تصريحات ترامب يوم إعلان خطته للسلام عندما أشار إلى رغبته لتوسيع الاتفاقات الإبراهيمية، وأنه من المحتمل أن تنضم إيران إليها.

ما يتم بحثه اليوم هو أكبر من غزة. الموضوعات كثيرة ومُعقدة ومُتشابكة، فهناك مباحثات جماعية وهناك اتصالات ثنائية بين أمريكا وعدد من الدول. وصفها ترامب بأنها حساسة. وما هو مُعلن ومنشور هو الظاهر. ولا أحد يستطيع أن يعرف كُل الباطن.

اقرأ أيضا:

زر الذهاب إلى الأعلى