ذكريات أكتوبر ١٩٧٣ في عيون وقحة

 كتب: أشرف التهامى

52 عامًا مضت على حرب أكتوبر، وما زالت بعض الأصوات القادمة من معسكر الأعداء تتحدث عن الغبار، والارتباك، والخذلان، وكأنها تحاول أن تُفكك لحظة السقوط على مهل، كما يُفكك الجسد الخائف وقعته.

قرأنا، كما قرأ العالم، شهادة إسرائيلية تنطق لا فقط بالحزن، بل بالهزيمة، وإن غُلّفت بمفردات العزاء الذاتي. شهادة كُتبت من قلب تجربة الهلع في السادس من أكتوبر 1973، لكنها تقول الكثير عمن عبروا القناة وهم يعرفون تمامًا ما يفعلون.

العمى والغطرسة

وحين يكتب أحد الجنود الإسرائيليين حتى عن وقائع الهزيمة تصدر كتاباته عن شعور الغطرسة، والرضا عن النفس، والعمى – نفس الثقافة السياسية التي رفضت التعلم – ويأتى غالبا ما يذكره أو ما يصفه ليس مجرد مزاج قيادة عسكرية، بل خطأ استراتيجي قاتل: أن ترى عدوك ضعيفًا بينما يتحرك في صمت.

في المقابل، كانت القيادة المصرية ترصد وتخطط وتناور سياسيًا وعسكريًا.

لم تبنِ انتصارها على الصخب، بل على الدقة.
كل حُفرة رُسمت على الورق، وكل دبابة خُطط لمسارها، وكل تمويه جوي أُجري، كان ردًا عمليًا على الغرور الإسرائيلي.

لقد صدقوا وهمهم حين قالوا إن القناة مانع مائي لا يُعبر، ولم يكونوا بحاجة فقط إلى استخبارات أفضل، بل إلى تقدير أكثر اتزانًا لإنسانٍ يؤمن بحقه في الأرض.

سقوط حصن

خلال الأيام القليلة الماضية عاد الإعلام العبرى والصحافة الإسرائيلية ينشر مرثيات “يوم كيبور” أو وقائع من حرب أكتوبر، وفى هذا الصدد كتب أحد الجنود الإسرائيليين ذكرياته عما حدث خلال سقوط حصن أوركال جيميل الإسرائيلى فى اليوم الثانى للحرب فى أيدى المصريين.

“أين الطائرات؟ إنهم يهاجموننا، قوة هائلة…”هكذا كانت صرخاتهم. أما نحن، فكنا لا ننتظر شيئًا سوى الأمر بالعبور، لقد ظنوا أن الساتر الترابي سيمنعنا، وأن تحصيناتهم التي أنشأوها على مدار سنوات ستصمد لساعات أو أيام، لكنها سقطت في ساعات قليلة تحت أقدام رجال عبروا لا طلبًا لحرب، بل استردادًا للأرض.

وتحدث الجندى الإسرائيلي عن حصن أوركال جيميل، الذي سقط في 7 أكتوبر، وعن مقاتلين ارتبكوا، وصرخوا، وانتظروا دعمًا لم يأتِ.
لكن السؤال هنا: لماذا سقط الحصن؟
ليس فقط لأنهم كانوا غافلين، بل لأن مقاتلًا مصريًا كان يدق على بابه، عن وعي، وعن تصميم.

من منظورنا، لم يكن الحصن سهلًا، بل كان إنجازه دلالة على ما خطط له المصريون.
كان سقوطه نتيجة تخطيط، لا مجرد فرصة. تلك القلاع الإسمنتية التي ظنّ العدو أنها مانعة، كانت على خرائطنا أهدافًا محددة.
وفي ساعات قليلة، كُسرت أسطورة أنها “لا تُقهر”.

الفوضى في الجانب الآخر يقابلها انضباط مصري حديدي

في رواية الجندى، وغيره من الجنود الإسرائيليون، يتكرر مشهد الفوضى بين الجنود الذين لا يعرفون ماذا يفعلون، ينتظرون الأوامر، لا يجدون غطاءً، ولا قيادات حاضرة.
أما في الضفة المصرية، فكانت الساعات محسوبة بالدقيقة، والقرارات تنفذ بتسلسل صارم:
– وحدات المشاة تعبر أولًا.
– فتح ثغرات في الساتر.
– تليها معدات الكباري.
– ثم الدبابات.
– حماية ضد الطيران.
كل خطوة نُفذت كما خطط لها، رغم أنف الطوارئ، في مواجهة جيش ظنّ نفسه خالِدًا.

بينما ينتظرون الدعم كنا نملأ الضفة

أحد أكثر المشاهد قوة في النص الإسرائيلي، هو مشهد الجنود الذين ينتظرون الغطاء الجوي بلا جدوى.
يسألون عبر اللاسلكي: “أين الطائرات؟”
ولا أحد يُجيب.

في الجهة المقابلة، لم يكن المصريون يسألون أحدًا.
لم ينتظروا الغطاء الجوي، بل رتبوا له مقدمًا. كانت الطائرات تؤمّن المعابر، والدفاعات الأرضية المصرية تسقط الفانتوم واحدة تلو الأخرى.
الفارق هنا أن الهجوم المصري لم يكن انفعالًا بل منهجًا، لا يحتاج إلى ارتجال، بل يتحرك بأمر الساعة.

الحزن في السردية الإسرائيلية والمجد في الدم المصري

الراوي الإسرائيلي يبكي أخاه، ويتذكر موته بلا قبر، ولا حتى وداع. إنها لحظة إنسانية، نعم، لكنها محملة باللا جدوى.
الجنود الإسرائيليون في شهادته ماتوا وهم ينتظرون أوهامهم.

أما الشهداء المصريون، فكان موتهم مشفوعًا بنصر.
حين سال دمهم على الرمال الشرقية للقناة، كان ذلك لأجل هدف تحقق، لا لأجل خديعة قيادة.
وقد كُتب لهم المجد، لا الأسى فقط.

 من العبور إلى التقدير

في ذكرى العبور، لا نتلذذ بوجع الآخر، بل نستخلص منه دروسًا.
إن هزيمة إسرائيل، كما ظهرت في شهاداتهم، لم تكن فقط عسكرية، بل أخلاقية ومعنوية.
غرورهم أسقطهم، بينما بصيرتنا رفعتنا.

ونحن إذ نقرأ سردياتهم، نفعل ذلك لا لنستلهم الأسى، بل لنُذكر بأن النصر لا يُصنع من خطاب فارغ أو وعود انتخابية، بل من إرادة شعب، وعقلية تخطيط، وروح مقاتل يعرف أن الأرض لا تُستعاد بالصدفة، بل بالدم واليقين.

طالع المزيد:

لواء دكتور/ سمير فرج يكتب: حرب أكتوبر ملحمة كفاح

زر الذهاب إلى الأعلى