قطة باريسية تتحول إلى أول رائدة فضاء في التاريخ
كتب: ياسين عبد العزيز
تحولت قطة ضالة من شوارع باريس إلى اسم خالد في تاريخ رحلات الفضاء حين انطلقت فيليسيت عام 1963 على متن صاروخ فرنسي إلى ارتفاع تجاوز 130 ميلًا فوق سطح الأرض، لتصبح أول قطة في العالم تسافر إلى الفضاء وتعود بسلام، في تجربة علمية استثنائية جسدت طموح فرنسا للمنافسة في سباق الفضاء العالمي الذي كانت تتصدره آنذاك الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.
مصر من الفضاء.. نهر النيل يضيء ليلاً من المنيا إلى بني سويف
بدأت القصة حين قرر العلماء الفرنسيون دراسة تأثير انعدام الجاذبية على الكائنات الحية، واختاروا قطة تحمل اسم فيليكس لتكون جزءًا من التجربة، غير أن القطة الأصلية هربت قبل يوم الإطلاق، مما أجبر الفريق العلمي على استبدالها بسرعة بقطة شوارع صغيرة تم اصطيادها من أزقة باريس، وكان اسمها فيليسيت، لتتحول صدفة إلى رمز علمي عالمي بعد أيام قليلة.
انطلقت فيليسيت على متن الصاروخ فيرونيك إيه جي 1 من موقع الإطلاق في صحراء الجزائر، وحلقت إلى ارتفاع يقارب 130 ميلًا، حيث سجلت الأجهزة الحيوية المثبتة على جسدها استجاباتها العصبية والتغيرات في معدل ضربات القلب والتنفس أثناء انعدام الوزن، ثم هبطت بالمظلة بأمان في صحراء الجزائر بعد رحلة قصيرة استغرقت نحو 15 دقيقة فقط، لتدخل التاريخ كأول قطة تغادر كوكب الأرض وتعود حية.
وقد شكلت التجربة جزءًا من سلسلة تجارب علمية أجرتها فرنسا لاختبار الحدود البيولوجية للرحلات الفضائية، إذ كانت الكلاب والسلاحف والفئران قد استخدمت سابقًا من قبل الأمريكيين والسوفييت، لكن الفرنسيين أرادوا إثبات قدراتهم التقنية عبر اختيار كائن مختلف يتيح قياس نشاط الدماغ بدقة أكبر، وهو ما جعل فيليسيت تؤدي دورًا علميًا حاسمًا في فهم تأثير الفضاء على الثدييات.
ولم تكن شهرة فيليسيت فورية، فقد نُسيت قصتها لسنوات طويلة، إلا أن الباحثين وهواة الفضاء أعادوا إحياء ذكراها في العقود الأخيرة، وبدأت جمعيات علمية وحملات إلكترونية في الدعوة لتكريمها رسميًا، ما أسفر عن إقامة تمثال لها في مركز الفضاء الفرنسي عام 2019، تقديرًا لدورها في تاريخ البحث العلمي.
ويقول العلماء إن تجربة فيليسيت ساعدت في تطوير فهم أفضل للأنظمة العصبية للثدييات في بيئات عديمة الجاذبية، وساهمت في تمهيد الطريق لتجارب لاحقة على البشر، مؤكدين أن القطة الصغيرة التي لم تكن معدة أصلاً للفضاء قدمت خدمة علمية كبيرة للبشرية.
وتبقى فيليسيت شاهدة على مرحلة مبكرة من تاريخ استكشاف الإنسان للفضاء، حين كان الحيوان هو أول من خاطر بالحياة في سبيل المعرفة، بينما تحمل قصتها مزيجًا من الصدفة والإرادة والعلم في رحلة غير متوقعة من أزقة باريس إلى حدود الغلاف الجوي.





