د. إيمان عبد الله تكشف لـ “موقع بيان” أسرار العلاج بالفن.. رحلة لاكتشاف الذات وتحرير المشاعر

- كيف يساعد الإبداع في القضاء على التوتر والأفكار السلبية - أدوات بسيطة تمنح هدوءًا نفسيًا عميقًا

كتب: على طه

أكدت د. إيمان عبد الله، استشاري العلاج النفسي والأسري، أن “العلاج بالفن” يعد أحد الأساليب النفسية الفعّالة التي تعتمد على توظيف الإبداع الفني — مثل الرسم، التريكو، الكروشيه، والمشغولات اليدوية — كوسيلة للتعبير عن المشاعر والانفعالات، خاصة لدى الأشخاص الذين يجدون صعوبة في التعبير اللفظي.

وقالت استشاري العلاج النفسي، في هذا الحديث الشامل لـ “موقع بيان الإخباري”، إن الهدف من العلاج بالفن ” ليس تعليم مهارة فنية بحتة “، وإنما استخدام الفن كأداة علاجية تساعد الفرد على فهم ذاته وتفريغ مشاعره.

وأضافت: “الرسم الحر أو الموجه يساعد على إخراج المشاعر المكبوتة مثل الحزن والضيق، حتى إننا أحيانًا نرسم بلا وعي أثناء الحديث أو التفكير، وهو ما يعكس حاجة داخلية للتعبير.”

اختيار الألوان

وأوضحت أن اختيار الألوان يعكس الحالة النفسية؛ فالألوان الداكنة قد تشير إلى التوتر، بينما الألوان الفاتحة تعبر غالبًا عن التفاؤل والشعور بالراحة. مجرد استخدامها—حتى لو كانت تعكس حالة سلبية—يساعد الشخص على التخلص من جزء كبير من التوتر.

كما شددت على أهمية المشغولات اليدوية مثل الخياطة، الكروشيه، التريكو، صناعة الحُلي واللوحات الفنية، مؤكدة أنها تُعد أنشطة عالية التركيز، وتساهم في إيقاف سيل الأفكار السلبية أثناء العمل عليها.

وقالت: “أحيانًا أنصح المريض بأن يعود إلى عمل المفرش أو قطعة الكروشيه التي يحبها، فيخبرني بأن كل الأفكار السلبية تتوقف تمامًا أثناء التركيز في هذا العمل.”

وتابعت: “بدلًا من أن أطلب من الشخص التوقف عن التفكير السلبي دون تقديم بديل، أوجهه إلى نشاط فني يحقق له شعورًا بالإنجاز ويزيد من تركيزه، ما يساعد العقل على الهدوء وتقليل التوتر.”

وأكدت د. إيمان أن الإحساس بالإنجاز والتركيز العميق أثناء ممارسة أي نشاط فني يعيدان التوازن النفسي ويمدّان الفرد بطاقة إيجابية تساعده على التعامل مع ضغوط الحياة.

جسرٌ بين الإبداع النفسي والصحة العقلية

توضح د. إيمان عبد الله أن العلاج بالفن يُعد ” منهجًا نفسيًا متكاملًا ” يعتمد على الفن كوسيلة للتعبير عن الذات واستكشاف المشاعر وتحقيق التوازن النفسي. وتشير إلى أن الدراسات تؤكد أن هذا النوع من العلاج “ليس ترفيهيًا أو مجرد هواية”، بل يتمتع بنتائج علاجية قوية وملموسة عند ممارسته بشكل صحيح.

وتقول إن ممارسة الفنون المختلفة—سواء الرسم أو المشغولات اليدوية—تمنح الإنسان “إحساسًا بالتحكم والإنجاز”، لأن الشخص أثناء العمل الفني يصبح هو المتحكم في أداته ومخرجاته، لا أفكاره السلبية.

هذا الشعور يعزز الثقة بالنفس ويرفع مستوى الرضا الذاتي.

وتضيف أن الانخراط في الأنشطة الفنية ينشّط الدماغ ويحسّن الذاكرة ويزيد القدرة على التركيز، مؤكدة شغفها الشخصي بالمشغولات اليدوية والحرف البسيطة مثل أعمال الصلصال والأخشاب، والتي تطور المهارات الحركية الدقيقة وتساعد مع الممارسة على ” تنمية القدرة على حل المشكلات “.

التركيز في العمل الفني

وتشير د. إيمان إلى أن التركيز في العمل الفني وحده يُفعّل مناطق متعددة في الدماغ دون أي جهد إضافي من الشخص، ويعزز التعاطف والوعي بالذات لأن الفن يسمح باستكشاف المشاعر الداخلية بطريقة غير لفظية. فالأشخاص الذين يجدون صعوبة في التعبير بالكلام يمكنهم إخراج ما بداخلهم من خلال اللون والشكل والخط.

وتؤكد أن العلاج بالفن يزيد القدرة على ” مواجهة الضغوط النفسية ” وتحسين العلاقات الاجتماعية، لأنه يعتبر وسيلة علاجية ووقائية في الوقت ذاته. فالإنسان يستطيع من خلال الفن نقل مشاعره الصعبة والصدمات التي مر بها إلى مساحة آمنة هي العمل الفني نفسه.

وتستشهد بنظريات التحليل النفسي التي ترى في الفن وسيلة للتعبير عن الأفكار والمشاعر المكبوتة، ما يساعد في معالجة الصراعات الداخلية، إلى جانب نظرية التعلم الاجتماعي التي تشير إلى أن الورش الفنية تعزز المهارات الاجتماعية والتواصل وتعلّم الفرد من النماذج المحيطة به.

الاسترخاء والوعي الذهني

وتعتبر د. إيمان أن من أهم عناصر العلاج بالفن حالة ” الاسترخاء والوعي الذهني ” التي يدخل فيها الشخص أثناء ممارسة النشاط الفني؛ فرغم استخدام اليدين وإنجاز عمل يتطلب مهارة، فإن التركيز الهادئ يشبه ممارسة تمارين الاسترخاء، ما يقلل التوتر ويعيد التوازن العقلي.

وتختتم بتأكيد أن العلاج بالفن **ليس نشاطًا ترفيهيًا**، بل أداة فعالة لتحقيق التوازن العاطفي ومواجهة القلق والضغوط والمخاوف. فمجرد إنجاز قطعة فنية من صنع اليد يمنح صاحبها شعورًا قويًا بالرضا الشخصي والسلام الداخلي.

رحلة روحية لاكتشاف الذات وتحرير المشاعر

تؤكد د. إيمان عبد الله أن أحد أهم جوانب العلاج بالفن هو قدرته على أخذ الإنسان في ” رحلة عميقة نحو ذاته “، حيث تساعده الفنون — سواء الرسم أو المشغولات اليدوية — على الوصول إلى أعمق طبقات الشعور والذكريات المخفية.

وتشبه ذلك بما كان يفعله فرويد في جلسات التحليل النفسي، حيث يستعيد الأشخاص ذكريات طفولتهم من خلال الاسترخاء والتأمل؛ إلا أن الفن يقوم بالدور نفسه ولكن بطريقة غير مباشرة وطبيعية.

وتوضح أن ممارسة الفن تجعل ” الأفكار والمشاعر المخبأة تطفو على السطح “، فيصبح الفرد أكثر وعيًا بذاته وبجذور مشاعره، مما يجعل العلاج بالفن أداة قوية للتغيير. وتصف الفن بأنه ” مرآة للنفس “، فكل خط ولون وشكل يختاره الإنسان يعكس جزءًا من حالته الداخلية، سواء كان حزنًا أو قلقًا أو فرحًا، وتتحول هذه المشاعر المكبوتة إلى صور وأعمال مرئية يمكن قراءتها وفهمها بسهولة.

تحرير المشاعر المقيّدة

وتضيف أن الرسم الحر يساعد على ” تحرير المشاعر المقيّدة “، بينما تمنح المشغولات اليدوية إحساسًا بالسيطرة والإنجاز، مما يقلل الإحباط ويعزز تقدير الذات.

وترى أن التركيز على الألوان والخطوط والحركات يجعل الذهن يدخل في حالة من ” التأمل الواعي”، وهو ما يؤدي إلى تهدئة العقل وتقليل التوتر.

استخدام الفن مع الأطفال

وتقترح د. إيمان استخدام الفن مع الأطفال أثناء فترات الضغط الدراسي، كأن يحصل الطالب على استراحة قصيرة للرسم أو تشكيل الصلصال أو تركيب أشكال بسيطة؛ فهذا لا يساعد فقط على خفض التوتر بل يعيد تنشيط الذاكرة والتركيز بفاعلية أكبر.

وتوضح أن التعبير الفني يحفّز الذاكرة العاطفية ويربط بين العقل الواعي واللاواعي، مما يمكّن الشخص من فهم جذور مشاعره والتعامل معها بوعي بدل التصرفات الانفعالية غير المحسوبة.

وتشير إلى أن الفنون اليدوية تعزز ” التناسق بين اليد والعين”، وهو ما ينشط مناطق الإبداع وحل المشكلات في الدماغ؛ فمتابعة الإبرة والغرزة والخيط والألوان تربط الإدراك الحركي بالبصري في تناغم يحفّز القدرات الذهنية.

طمأنينة روحية ومساحة آمنة

وتصف العلاج بالفن بأنه يمنح الإنسان ” طمأنينة روحية ومساحة آمنة ” للتعبير الحر دون خوف من الأحكام أو الانتقادات، وعندما يقدم الفرد عملاً فنياً من صنع يديه، فإنه يشارك جزءًا من روحه في هذا العمل، سواء كان لوحة أو مفرشًا أو قطعة يدوية، ويشعر بالإنجاز والفخر حتى لو لم يطلع عليه أحد أو يشتريه.

وتؤكد د. إيمان أن العلاج بالفن يتطلب ” الاستمرارية والانتظام ” مثل أي علاج نفسي آخر، لأن الممارسة المنتظمة تساعد على تفريغ المشاعر المؤلمة دون الحاجة للكلام المباشر، مما يقلل تأثير الصدمات على العقل والجسد، ويعيد التوازن النفسي.

وتختتم د. إيمان بالقول: بأن الفن يجعل الإنسان يشعر بـ ” السلام الداخلي والتوازن العاطفي “، ويعزز الوعي باللحظة الحالية بعيدًا عن القلق من المستقبل أو اجترار الماضي، ويمنحه المرونة والصبر.

وترى أن الرسم والمشغولات اليدوية من أقوى وسائل التواصل مع أعماق النفس البشرية، ومن خلالها يستطيع الإنسان التحرر من القيود والتوتر، واكتشاف ذاته، والوصول إلى النمو والشفاء.

طالع المزيد:

د. إيمان عبد الله لـ “موقع بيان” أطفال ونساء غزة بحاجة إلى دعم نفسي طويل المدى

زر الذهاب إلى الأعلى