سلسلة أدباء نوبل “٣”: هان كانغ: من الجسد إلى الندبة.. سردٌ متجدد

سردية: الَربيع إسماعيل
1. ولادة في مدينة تحمل ذاكرة الدم
وُلدت هان كانغ في غوانغجو عام 1970، المدينة التي ستظلّ لاحقاً مركز الجرح الذي ستكتب منه وعنه. غوانغجو ليست مجرد مكان في سيرتها، بل البؤرة التي تشكّلت فيها حساسيتها الأولى تجاه هشاشة الإنسان. في طفولتها، كانت صور الانتفاضة التي ارتُكبت فيها أبشع جرائم القمع — قبل سنوات فقط من ولادتها — تتناقل في الهمسات، في القصص، في الصمت الذي يستقرّ في أعين الكبار.
هناك بدأ ينمو بداخلها ذلك الخيط الخفي: الإحساس بأن الإنسان كائن مهدَّد، وأن الحقيقة لا تُمنح كاملة، بل تُفتَّش عنها بين طبقات الألم.
2. بداية كتابة تأتي من حكاية :
لم تتجه هان كانغ للكتابة كقرارٍ واعٍ. جاءت إليها كما تأتي الندبة: تحضر بلا استئذان، وتبقى.
منذ أولى خطواتها حين فازت عام 1994 بمسابقة الربيع الأدبية، ظهرت في نصوصها تلك الصدقية العارية التي تفضح أكثر مما تروي.
وإذا أردنا أن نفهم كيف وصلت إلى جائزة نوبل عام 2024، فربما علينا أن نعود — كما أشار الصديق و الباحث السوداني إبراهيم دربات في كتابه أطياف فكرية — إلى طبيعة الأدب الكوري ذاته.
يقول دربات:
> إن الأدب الكوري لا يُكتب بالحبر، بل بالعرق المتساقط من جبين أمة نهضت من رماد الحرب.
وإنه أدب لا يختبئ خلف الرفاهية، بل يتقدّم محمولًا على ذاكرةٍ تشبه الجرح أكثر مما تشبه القصيدة.
هذه القراءة تصلح مدخلاً لفهم عالمها: فهي لا تكتب عن الشخصيات بقدر ما تكتب من خلالها. الجسد في أعمالها ليس أداة سردية، بل كائن يفكّر ويتذكّر ويحاول أن يتطهّر من تاريخ جماعي لا يزال يئنّ في الخلفية.
3. اتصال نوبل… وهدوءٌ مُفاجئ
عند الساعة التي كان يمكن فيها أن يتغيّر كل شيء، لم يتغيّر شيء.
كانت مع ابنها تتناقشان في نوع الشاي — بابونج أم نعناع — حين رنّ الهاتف.
صوت يأتي من ستوكهولم ليخبرها أنها حصلت على نوبل.
كاتبة أخرى كانت ستنهار، أو تبكي، أو تهرع للاتصال بالعالم.
أما هي، فأغلقت هاتفها الذي اشتعل بالرسائل، وعادت تشرب البابونج:
> “كنا نحتاج إلى التهدئة.”
هكذا يظهر جوهرها: امرأة هادئة، تُدخل الألم إلى كتابتها لكنها لا تسمح له بدخول حياتها. حياتها اليومية غرفة صغيرة يغمرها الضوء، فيما كتاباتها هي الغرف المظلمة التي لا يجرؤ أحد على دخولها دون خوف.
4. صورة تهزّ كيانها… وتفتح حكاية عمر
من بين الكم الهائل من صور ضحايا انتفاضة غوانغجو، توقفت عند صورة واحدة: مواطنون مصطفّون للتبرع بالدم.
في خلفية المشهد جثث ووجوه مشوّهة، وفي مقدمته فعل تضامن يكاد يكون غير قابل للتصديق.
> “هناك رأيت الحقيقة المستحيلة للإنسان.”
من تلك اللحظة بدأ منبع كتاباتها. ليس بوصف العنف حدثًا سياسيًا، بل كبيئة يحاول الإنسان النجاة منها.
نقطة تلامس فيها الوحشية مع الرحمة… ومنها خرجت رواياتها: محاولة لفهم تلك اللحظة التي ينكسر فيها الإنسان، ثم يحاول — رغم كل شيء — أن ينهض.
5. الكتابة كجسد يختبر الألم:
لم تكن الكتابة لدى هان كانغ فعلًا فكريًا خالصًا. كانت، حرفيًا، عملًا جسديًا.
أثناء كتابة Human Acts انهار جسدها: صداع، غثيان، آلام معدة، أرق طويل.
كانت تقول:
> “كان عليّ أن أُعير جسدي للضحايا… أن أشعر بألمهم حتى أستطيع كتابته.”
وحين كتبت The Vegetarian أو النبياتية ، توقّفت أصابعها عن العمل.
كتبت ثلثي الرواية بخط اليد، ثم أكملت الجزء الأخير بقلمين تمسكهما معًا… كأن الجملة تحتاج قوة جسدية لتولد.
6. الأدب كعودة دائمة إلى الندبة
الألم ليس ثيمة في كتاباتها، بل بيئة معرفية.
إنها تعرف أن الجرح لا يلتئم؛ الجرح يصبح مرشدًا.
هكذا جاءت أعمالها:
“النباتية” — الجسد بوصفه ساحة مقاومة.
“أفعال بشرية” — ذاكرة وطن يحاول أن يقول ما لم يُقل.
“الكتاب الأبيض” — كتابة على حافة الحضور والغياب.
كل كتاب محاولة لفهم الإنسان حين تفلت منه قدرته على الكلام، فيتكلم الألم عنه.
7. لماذا تستحق هان كانغ أن تكون بوابتك إلى الأدب الكوري؟
لأنها بيساطة تكشف لك أن الكتابة قد تكون شجاعة لا جمالية.
وأن الرواية ليست حكاية، و إنما حياة مستعادة من جسدٍ يرتجف.
و لأن الأدب الكوري لا يتقدم بزخارف، بل بذاكرةٍ تتصبب عرقًا من تاريخٍ لم ينتهِ بعد.
و ربما في احتمالٍ آخر…
لأن في عالمها ندبة تتحوّل — مع الوقت — إلى لغة.
طالع المزيد:
أدباء نوبل: عبدالرزاق قُرنح.. حين تصبح الكتابة عبورًا بين الذاكرة والمنفى





