باسم صلاح يكتب: الاحتلال الرقمي “تزييف القرآن الكريم.. نموذجاً”
بيان
لم يعد الاحتلال في زمننا هذا يحتاج إلى جندي يعبر الحدود، ولا إلى طائرة تحلق فوق المدن ، ولا إلى عَلَم يُرفع فوق أسوار بلدٍ مهزوم ، فلقد تغيّرت السيطرة حتى أصبحت أخفى من أن تُرى، وأعمق من أن تُحسّ على مستوى الوعي الجمعي.
والاحتلال في عصرنا أصبح احتلالًا للمعنى ، وإعادة تشكيل للوعي ، وتدخّلًا في بنية الإدراك نفسها، ومن هنا تظهر ملامح ما أسميه حالياً : الاحتلال الرقمي.
هذا الاحتلال لا يطمع في الأرض، بل في المرجع، ولا يغزو الجسد ، بل يغزو العقل، ولا يفرض قوانينه بالقوة، بل يمررها عبر الشاشات والخوارزميات حتى تصبح حقيقةً بديهية لا يناقشها أحد .
إن تجربتي في اكتشاف تزييف آيات القرآن الكريم التي تقوم بها شركة جوجل عبر روبوت دردشتها gemini لم تكن مجرد حادثة تقنية ، بقدر ما كانت نافذة تطل على الوجه الكامل لهذا الاحتلال.
حين رأيت الآية القرآنية بالكامل تُشوه ، والحرف القرآني يُستبدل، والمعنى القرآني يُعاد تشكيله ، أدركت أن تزييف القرآن الكريم الذي تقوم به جوجل، لم يكن مجرد “خطأ “، بل كان دليلًا على أن “المحتل الجديد” وصل إلى أخطر نقطة ألا وهي استهداف الوعي الجمعي للمسلمين .
في الاحتلال العسكري ، لا يستطيع المحتل أن يمسّ القرآن الكريم ، يمكنه أن يعتدي ، أن يقتل ، أن يهدم، لكنه لا يقدر أن يُغيّر حرفاً واحداً في المصحف الشريف .
تلك الخطوط الحمراء التي فشل فيها كل غازٍ عبر التاريخ، تجاوزها الاحتلال الرقمي بكبسة زر ، ليس لأنه أقوى من الأمة، بل لأنه اخترق النقطة التي لم يخطر ببالنا يوماً أنها تحتاج دفاعاً بآليات مختلفة وبمعارف جديدة .
إن الاحتلال الرقمي يبدأ دائماً بالسؤال: من يملك مصدر الحقيقة؟
هل يملكه الإنسان؟ أم المنصة؟
هل يملكه العالم ؟ أم الخوارزمية؟
هل يملكه النص؟ أم النموذج الذي يعيد صياغة النص؟
حين تقول الخوارزمية لشخص “غير مسلم” خذ هذه الآية القرآنية ( مع أنها مزيفة) ، فهو لا يملك وعياً يقوده إلى فكرة التيقن من الأساس وهنا تكون الكارثة أقل وطأة ، فهي بالكاد تعطي انطباعاً غير حقيقي عن القرآن والدين الإسلامي نتيجة التشوهات والتزييف الدخيل على الآية القرآنية في حال كانت آية من الأساس…! إذ أن جوجل قد وصلت إلى حد اختراع آيات كاملة ليس لها علاقة بالقرآن الكريم…! .
وحين يقرأ ” نفس الآية المزيفة” شابٌ مسلم على أنها من القرآن الكريم ، فإن هذا التزييف يتحول إلى تشوه عميق في وعيه ، وهنا لا يصبح التزييف مجرد حدث معلوماتي؛ بل يتحول إلى إعادة هندسة بشكل كامل للهُويّة الإسلامية لديه .
وهكذا يعمل الاحتلال الرقمي ، لا يغزو الواقع ، بل يغزو تمثيل الواقع، لا يتحكم في الحقيقة ، بل يتحكم في ما يُقدّم للناس باعتباره حقيقة…!
وبهذه الآلية الدقيقة يصبح الإنسان خاضعاً دون أن يشعر، ومقهوراً دون أن يُدرك ، ومحتلاً دون أن يرى جنوداً أو أسلحة أو أَعلاماً .
إن قوة هذا الاحتلال تنبع من أنه غير مرئي، لا يسمع الناس أزيز رصاصه ، لكنهم يتنفسونه كل يوم ، لا يتحرك في الشوارع ، بل في الأجهزة التي يحملونها بأيديهم ، لا يحتل أرضهم، بل يسكن داخل عقولهم.
حين واجهتُ تزييف القرآن، لم أكن أمام خطأ برمجي، بل أمام نموذج مكتمل من نماذج الهيمنة، لأن أخطر ما يفعله الاحتلال الرقمي هو أنه لا يفرض رأياً ، بل يفرض مرجعاً ، يجعل من نفسه ” الوسيط الوحيد” بين الإنسان والمعرفة، ومن ملك الوساطة ، ملك القدرة على تغيير العالم بهدوء…!
وهكذا يصبح الخطر الحقيقي ليس في أن نصاً ما ( رغم قداسته) قد قُدّم مشوهاً، بل في أن الأمة تركت مفاتيح معرفتها في يد من لا يدرك قيمة تلك المعرفة، أو أنه على الأرجح يدرك قيمتها جيداً لكنه يرى فيها مجالاً للسيطرة وإعادة الصياغة الكلية للأمة وفقاً لأهوائه ومآربه .
إن مقاومة الاحتلال الرقمي ليست مقاومة تقنية فقط، ولا قانونية فقط ، ولا دينية فقط ، بل هي مقاومة وجودية ، لأنها مقاومة لاستعادة الإنسان قدرته على أن يكون هو من يقوم بتعريف الحقيقة ، لا أن يتلقاها جاهزة من شركات لا ترى في الكون إلا بيانات قابلة لإعادة الإنتاج.
إن تزييف القرآن كان بالنسبة لي العلامة التي تكشف عمق الأزمة، فالخطر ليس أن النص تغير، بل أن بيئة المعرفة نفسها أصبحت تحت سيطرة قوة لا تخضع لمعايير الأمة ولا لوعيها..! وهكذا يصبح الدفاع عن النص القرآني دفاعاً عن الوعي، والدفاع عن الوعي دفاعاً عن الاستقلال، والاستقلال هنا ليس استقلال أرض، بل استقلال عقل.
إن الاحتلال الرقمي أخطر من كل احتلال عرفناه، لأنه لا يطلب منك أن تستسلم، بل يجعلك تعتقد أنك لم تُحتل من الأساس.
ولأنه لا يفرض عليك أفكاره، بل يعيد تشكيل فكرك من الداخل ، ولأنه يوهمك بأنه لا يدمّر مقدساتك ، مع أنه ينسخها بصيغته الخاصة حتى تفقد أصالتها دون أن تدري.
في عالم كهذا يصبح الوقوف ضد التزييف ليس دفاعاً عن القرآن الكريم فقط ، بل دفاعاً عن حق الإنسان في أن يعرف الحقيقة من مصدرها، لا من مرآة مشوهة تملكها قوى لا تخضع للمحاسبة..!
وهنا يبدأ التحرر الحقيقي بأن نعيد بناء أدواتنا، ومعاييرنا، ونماذجنا، ونصوصنا الرقمية، قبل أن نصحو يوماً فنجد أن كل ما كنا نعتبره ثابتاً أصبح متحركاً ومتغيراً ، وكل ما كنا نقدسه أصبح نسخة قابلة للتعديل.
إن الاحتلال الرقمي لا ينتظر ، بل إنه يتقدم كلما تأخرنا نحن …!
وإنني أثق أنه لن يرحل إلا حينما نقرر نحن أن نُعيد امتلاك الوعي.





