سلسلة أدباء نوبل “4”: بيتر هاندكه.. الكتابة كمنفى للذات

الربيع إسماعيل

سردية: الَربيع إسماعيل

حين نقترب من عالم بيتر هاندكه، نكتشف أننا أمام كاتب لا يكتب النص بقدر ما يكتب زاوية النظر إليه.
رجلٌ لا يثق بالمسارات المعبّدة، ولا باليقين الذي يُفرض بالقوة، بل يبحث عن اللغة كما يبحث الرحّالة عن نبعٍ في أرضٍ لا يعرفها أحد.

هاندكه، المولود عام 1942 في قرية غريفين جنوب النمسا، نشأ في بيئة مشتبكة مع الهُويات: أمّ تنتمي للأقلية السلوفينية، وأب ألماني لم يعرفه إلا بعدما صار رجلاً. تشكّلت حياته الأولى تحت ظلّ هذا الغياب، ثم اتّخذ طريقًا غير مكتمل نحو دراسة القانون قبل أن يقطعه عام 1966 بعد نشر روايته الأولى الزنابير. منذ ذلك الوقت، بدأ يتشكل صوت أحد أكثر الكتّاب تأثيرًا في أوروبا ما بعد الحرب.

لغة تتقدم على العالم

في أعماله — من ” روايات، دفاتر، مسرحيات، وسيناريوهات ” — يبتعد هاندكه عن الرواية الاجتماعية المباشرة. ينحاز إلى اللغة نفسها: لغتها الغامضة، قدرتها على كشف الأطراف المهملة من التجربة الإنسانية. تقول الأكاديمية السويدية إن تكريمه عام 2019 جاء “لأعماله المؤثرة التي صاغ فيها بتجريب لغوي عوالم الهامش والتجربة البشرية”.

لكن قراءة هاندكه لا تكتمل من خلال الجوائز أو الوقائع ، بل ما يميّزه حقًا هو شعور خفي بأن الكتابة ليست مجرّد أداة، بل طريقة وجود.

الكتابة كطقس وجودي

ثمة كتّاب يبحثون عن اللغة، و آخرون تلاحقهم اللغة.. هاندكه كان من الفئة الثانية.

يكتب وكأن الكلمات قوة تجرّه من ياقة قميصه لتُذكّره بأن حياته الحقيقية لا تحدث في الخارج، بل في هذا المسار الذي تمشي فيه الجملة، وفي هذا الضوء الخفيف الذي يسقط على الصفحة.

الكتابة عنده ليست حرفة ولا طموحًا؛ إنها ضرورة، أشبه بطقس داخلي لا يمكنه التخلّي عنه دون أن يفقد توازنه. ولذلك يبدو كل كتاب، كل جملة، محاولة لإنقاذ شيء ما… شيء لا نعرف اسمه، لكنه يظل يرفرف بين السطور.

اكتشاف ما هو موجود أصلًا

هاندكه لا يختلق العوالم، بل يكتشفها. كأن مهمته إزالة الغبار عن المشاهد المهملة في الذاكرة الإنسانية.
الكاتب — كما يوحي — ليس مخترعًا، بل كائنًا يرى ما لم ينتبه إليه الآخرون.

ولهذا تبدو جملة واحدة عنده أثقل من فصل كامل عند غيره. كل كلمة مكتوبة بعد أن مرّت بتجربة حسّية كاملة: رؤية، لمس، صمت، شك، ثم كتابة.
لدى نعوم تشومسكي ما يسمى ب “شحونة الكلمة”و الذي يتضمن في ما معناه أن جملة من خمس كلمات قد تبدو أبلغ في النفس من أخرى بضعف عدد الكلمات ، ربما كان هاندكه يتبع ذات المنهج دون تخطيط مسبق.

إذ كان يخشى اللغة التي تُستخدم بكثرة حتى تفقد قيمتها، مثل عملة رديئة.
يبحث عن الكلمات البطيئة الثقيلة، تلك التي تحتاج أن تُحمل بكلتا اليدين.
الكلمات التي إذا وُضعت على الطاولة انكسر الصمت حولها.

في مقابلته الشهيرة التي جرت في يوليو ١٩٧٩ – برلين كان في عمق حديثه ، يتكرّر معنىً واحد وهو أن “اللغة ليست أداة، بل كائن حيّ”.
ما يهمه ليس القصة ، الحبكة ولا الأكاديمية اللغوية التي تتجمّل بالمصطلحات؛ بل أن تُكتب الجملة وكأنها خطوة جديدة فوق أرض مجهولة.

بالنسبة لهاندكه، كل محاولة لربط الأدب بنظرية هي قيدٌ يطفئ شرارة الخلق. يقول ضمنيًا: “عند بداية الكتابة، لا يوجد شيء سوى الكتابة نفسها.. والنظرية التي تتكوّن أثناء صناعة الجملة تموت في اللحظة نفسها التي تولد فيها، لأنها تصبح منتهية الصلاحية بمجرد أن تتحقق”.

يرى هاندكه أن ما يكتبه ليس روايات بالمعنى التقليدي، بل ملحمة يومية؛ سرد يتتبّع التفاصيل الصغيرة ويعيد ترتيبها بحيث تبدو وكأنها خيال. إنها ليست حكايات تُروى، بل وعي يمشي على قدمين.

وهذا كلّه مرتبط بفكرته الجوهرية أن اللغة، حين تكون نقية، ليست وصفًا للعالم، بل شكلًا جديدًا لوجوده.
اللغة عنده فعل أخلاقي قبل أن تكون جماليًا؛ هي مقاومة ضد التفاهة، وضد اللغة التي صارت أشبه بالغبار المتراكم على الطاولات: موجودة ولكن بلا حياة.

لذلك لا يعنيه “الواقعي” ولا “الحداثي” ولا “الملحمي” بالمفاهيم الجاهزة؛ فهذه تصنيفات يصنعها النقّاد لأنفسهم. أما الكاتب، فيجب أن يكتب وكأن لا شيء موجود قبله.

وعن الرواية، لا يشارك المتشائمين الذين يعلنون موتها. يراها قابلة للتجدّد، شرط أن تعود لأساسها: “كان هناك… ذهبتُ… رأيتُ…”. لغة البشر الأولى، لا لغة الأيديولوجيات.

أما السينما، فيعترف أنها تهدّد هويته ككاتب؛ لأنها تبتلعه. الكتابة تحتاج هشاشة، تحتاج أن يشعر المرء أنه على حافة العدم، لا على منصة تصوير.

وفي نهاية الحوار، يظهر هاندكه الإنسان، شخص يخاف على “الدافع الإبداعي” كما لو كان شعلة صغيرة في رياح عاصفة.
يكتب لأنه يريد أن يكتب، ولأن الكتابة هي الطريقة الوحيدة لقول الحقيقة دون أن يصرخ.

ما الذي يقدمه لنا هاندكه ؟

ربما يذكّرنا بأن الأدب ليس سباقًا، وليس بطولة، بل وسيلة لفهم كيف نمشي في هذا العالم دون أن نضيع.

الكتابة — كما يعيشها — هي محاولة تهذيب العاصفة الداخلية، محاولة لفهم الإنسان حين يقف عند حدود التجربة ولا يعرف ماذا يفعل بكل هذا الضوء وكل هذا الظلام.

بيتر هاندكه يكتب ليظلّ حيًّا، ونحن نقرأه لنتذكر أن اللغة ما زالت قادرة على مفاجأتنا… إذا امتلك الكاتب الشجاعة للذهاب بها إلى أقصى أطراف التجربة الإنسانية.

اقرأ فى هذه السلسلة:

سلسلة أدباء نوبل “٣”: هان كانغ: من الجسد إلى الندبة.. سردٌ متجدد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى