محمود يحيى يكتب: في رحيل يوسف .. انتظار الحقيقة واجب إنساني

لم أكن أنوي الحديث عن واقعة وفاة طفل السباحة يوسف محمد ولا الدخول في موجة الجدل التي اجتاحت الوسط الرياضي خلال الساعات الأخيرة فالحادثة في بدايتها كانت صدمة إنسانية خالصة وحزنًا عميقًا على طفل لم يكمل رحلته ولا أحلامه، موهبة كانت تبشر بمستقبل كبير لكن ما جرى لاحقًا أجبر كثيرين وأنا منهم على التوقف والتعليق.

تحول المشهد من حالة إنسانية تستدعي الصمت والترحم والاحترام، إلى ساحة مشتعلة بالتراشق وتبادل الاتهامات، حتى قبل صدور أي بيان رسمي أو تقرير طبي أو نتائج تحقيق البعض لم ير في وفاة طفل سوى فرصة لإعادة فتح ملفات قديمة أو تصفية حسابات شخصية أو إعلامية، وكأن الحدث مأساة تستغل لا درسًا نتعلم منه.

المؤلم أن البعض نسي أو تجاهل أن خلف هذا الخبر أسرة مكسورة، أب وأم في حالة لا توصف، ومدربين وزملاء ما زالوا تحت صدمة ما حدث وأن احترام اللحظة وحرمة الحدث لا يقل أهمية عن البحث في الأسباب .. نعم من حق الجميع المطالبة بالتحقيق والمحاسبة إذا ثبت وجود تقصير، لكن ليس من حق حد بناء روايات أو توجيه اتهامات دون مستند أو انتظار للنتائج الرسمية فهذه ليست مساحة للمزايدات أو لتحقيق مكاسب شخصية أو للظهور الإعلامي على حساب ألم الآخرين.

وللأسف الشديد امتد الجدل إلى ما هو أبعد من الواقعة ذاتها ووصل إلى محاولة تحميل المسؤولية مباشرة لوزارة الشباب والرياضة وللوزير نفسه، وكأن القرارات تتخذ من مكتب الوزير مباشرة إلى حمامات السباحة، دون منظومة كاملة من اتحادات ولجان فنية وطبية وتنظيمية مسؤولة بشكل مباشر عن التنفيذ والرقابة.

الإجراءات الرسمية التي اتخذتها وزارة الرياضة اليوم ومنها تشكيل لجان مختصة وإحالة الموضوع إلى النيابة العامة تؤكد أن الطريق الصحيح هو تحقيق شفاف قائم على المستندات لا على الانطباعات أو العناوين المتسرعة.

فالهدف الآن ليس البحث عن “متهم” لإرضاء انفعالات اللحظة، بل الوصول للحقيقة، وضمان عدم تكرار ما حدث، وتصحيح أي خلل إن وجد، وحماية كل طفل وشاب يمارس الرياضة.

لازم نتذكر أن المسؤولية في المنظومة الرياضية هرم يبدأ من النادي والمدرب واللجان الطبية والتنظيمية والاتحاد، ويصل في النهاية إلى الوزارة والجهات الرقابية وعند وجود خطأ أو تقصير فهو يثبت بالأدلة لا بالعاطفة.
انهي كلامي ان هذه ليست قضية رأي، ولا مساحة لتصفية خلافات، ولا مادة للجدل العام لا هذه حالة إنسانية قبل أن تكون رياضية، تستحق التعامل معها بعقلانية واحترام ومسؤولية.

رحم الله يوسف رحمة واسعة، ونسأل الله أن يمنح أسرته الصبر والسكينة، وأن يكون رحيله نقطة تحول نحو منظومة أكثر أمانًا وعدلًا واحترامًا لحياة الرياضيين الصغار قبل بطولاتهم.

زر الذهاب إلى الأعلى