عاطف عبد الغني يكتب: إسرائيل في القلب الأمريكي

بيان
إسرائيل في قلب المعادلة تمثل البوصلة الثابتة في الاستراتيجية الأمريكية المتغيرة للتعامل مع العالم الخارجي، هذه قاعدة ثابتة يصدر عنها الفكر الاستراتيجي الأمريكي، علي مدي العقود السبعة الأخيرة.

والفكر الاستراتيجي الأمريكي عادة ما يتشكل من خلال رؤي نخبة “فكرية” مهيمنة تسعي لضمان تفوق الإمبراطورية الأمريكية، ولعل أبرز هذه النخب خلال الـ 50 عاما الأخيرة، هي نخبة “المحافظون الجدد”، الذين وجّهوا الإدارات الأمريكية والحكام خلال هذه السنوات الخمسين، إلي التدخل العسكري الاستباقي، بدعاوي مثل نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان إلخ، كما تجسدت رؤاهم في مشروع القرن الأمريكي الجديد (PNAC) للهيمنة علي العالم في القرن الواحد والعشرين، هذا قبل أن يأتي دونالد ترامب ويقود تحولاً جذريًا نحو فكرة أو عقيدة أطلق عليها “أمريكا أولاً” (MAGA) والتي تدعو صراحة وجهارا إلي الانعزالية الأمريكية الانتقائية.

وبينما تتنافر الرؤي والمناهج الاستراتيجية الأمريكية، وتتغير أولويات التدخل في شئون الدول، تبقي نقطة واحدة ثابتة لا تتأثر بالتحولات السياسية في واشنطن، ألا وهي: مكانة إسرائيل كركيزة استراتيجية لا يمكن المساس بها في قلب أي مشروع أمريكي للتنمية أو الهيمنة العالمية.

وأحدث الوثائق التى تعكس هذه الرؤية “الاستراتيجية” المحدثة للإمبراطورية الأمريكية، هي وثيقة الأمن القومي 2025  التى اعتمدتها، وأصدرتها إدارة ترامب، وتظهر هذه الوثيقة تنافرًا جذريًا مع نهج المحافظين الجدد، حيث تتقاطع الوثيقة مع التدخل في شئون العالم وبناء الأمم، وتوجه الأولوية نحو الواقعية القومية والتنافس التكنولوجي مع الصين علي حساب مركزية الشرق الأوسط.

وعلى الرغم من هذا التباين، يظل هدف التفوق القومي الأمريكي معلنا بوضوح فى الوثيقة، لكن النظرة إلي دور إسرائيل تكشف عن الآلية التي يضمن بها هذا التفوق الاستمرارية للمشروع الصهيونى، والتفوق الإسرائيلى في منطقة الشرق الأوسط.

ولم تكتفِ استراتيجية 2025 بالإبقاء علي مكانة إسرائيل، بل عمّقتها وطوّرتها لتشمل ثلاثة محاور أساسية كالتالى:

أولاً: تؤكد علي أن أمن إسرائيل ليس بوصفها مجرد حليف، بل بكونها “أهم المصالح الأمريكية الأساسية” القليلة التي ستواصل الولايات المتحدة حمايتها.

وكونها “أهم المصالح الأمريكية الأساسية” فهذا يرفع أمنها (إسرائيل) فوق مستوي التحالفات العادية ليصبح جزءًا أصيلاً من الأمن القومي الأمريكي ذاته، وهو  الوضع الذى ظل ثابتًا عبر جميع الاستراتيجيات الأمريكية منذ تأسيس الكيان الصهيوني .

ثانيًا، تجاوزت الاستراتيجية الأمريكية الترامبية النظرة التقليدية لإسرائيل كـ “مجرد متلقٍ للدعم”، لترسخ دورها كـ “شريك محوري للازدهار والاستقرار في مرحلة ما بعد التدخل العسكري المباشر” .

وفي هذا الصدد يركز جوهر الوثيقة الاستيراتيجية الأمريكية علي أن إسرائيل لها صفة خاصة في ظل المبدأ الأمريكى الجديد  فى التحول تجاهها من المساعدات إلي الاستثمار.

كما تُشير  الوثيقة إلى إسرائيل كعامل استقرار مقبول في جهود المنطقة المشتركة مع الدول العربية وتركيا.

ثالثًا، تُصور الوثيقة إسرائيل كـ “ذراع استراتيجي وفاعل وحاسم” في تحقيق المصالح الأمريكية ضد القوي المعادية، خاصة إيران.

وبينما تسحب أمريكا قواتها وتخفض التزاماتها العسكرية المباشرة، تظل إسرائيل هي القوة القادرة علي “إضعاف الخصوم” (كما جاء في الإشارة إلي الإجراءات الإسرائيلية بعد 7 أكتوبر)، مما يضمن استمرارية الهيمنة الأمريكية بأقل التكاليف العسكرية المباشرة.

وفي الختام، يمكن القول إن التباين بين عقيدتي “القرن الأمريكي” و”ماجا” يثبت أن كل رئيس أمريكي يمكنه أن يعيد تعريف مفهوم “التدخل” أو يغير أساليب “الهيمنة” (من العسكرة الشاملة إلي القومية الاقتصادية)، ولكنه لا يستطيع تغيير “البوصلة”، لتظل إسرائيل هي القاسم المشترك الأعظم الذي يضمن تحقيق المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، سواء عبر فرض الديمقراطية بالقوة أو عبر تعزيز الازدهار والتكنولوجيا الإقليمية المشروطة بـ “أمن إسرائيل”، الذى سيقى محفوظا فى “القلي الأمريكى” إلى أن يقضى الله أمرا كان مفعولا.

اقرأ أيضا للكاتب:

عاطف عبد الغنى يكتب: «أكل العيش والجاتوه».. سبعة عقود ونصف في حياة المصريين (3 من 3)

زر الذهاب إلى الأعلى