كيف تصنع الحياة كاتبًا استثنائيًا؟

 

سردية يكتبها: محمد سليمان

ستلاحظ كقارئ الفرق الشاسع بين كاتب يعتمد على تجاربه ومغامراته ومعايشته للواقع، وانغماسه في بيئات مختلفة، وبين كاتب لا يريد أن يترك سريره ووسادته، يعتمد على لغته التي ربما قد تكون جيدة أو لا، سيظل الفرق شاسعًا بين هذا وذاك.

يحدثنا الكاتب النمساوي ستيفان زفايج عن تلك الإشكالية في كتابه القيم «كازانوفا»، حيث يرى زفايج أن رجال الحس واللذة لديهم زاد التجربة في عروقهم وخلايا أعصابهم وعضلاتهم، ولكنهم عاجزون عن نقلها إلينا عن طريق الكلمة، ورجال الذهن والقلب لديهم القدرة على البيان، لكن عليهم أن يكدوا ليحصلوا على تجربة يحدثوننا عنها.

وهو يرى أن كازانوفا هو «بيضة الديك»، رجل امتلك التجربة وامتلك القدرة على تدوين وصياغة التجربة. وعندما يتوافر هذان العنصران اللذان يشبههما زفايج بالخمر والكأس، أي التجربة والبيان، نحظى بكاتب استثنائي فريد.

يذكر الروائي الكبير باولو كويلو أن الروائيين، من منظوره، يتم تصنيفهم إلى صنفين: روائي يعتمد على خياله الواسع وعلى قدرته على نسج شخصيات وأحداث من عالم الخيال الخصب، وروائي يعتمد على خبراته وتجاربه الشخصية.

يعتبر كويلو نفسه من الصنف الثاني الذي تكون كتابته منبثقة من تجربته الحياتية. وبإسقاط تلك المقدمة على عالم الرواية والقصة، سيلاحظ القارئ أن الروايات والقصص المنبثقة عن تجربة الكاتب وحياته تكون أجمل ما يؤلفه ذلك الكاتب، حيث يشعر القارئ في مثل تلك الأعمال أن الشخصيات فيها من لحم ودم، وأن أحداث الرواية فيها كثير من روح مؤلفها.

نماذج لبعض الروايات والقصص المنبثقة من حياة كتّابها:

مكتب البريد – لبوكفسكي:
تعد رواية «مكتب البريد» للكاتب البوهيمي بوكفسكي إحدى روائع الأدب الأمريكي، وهي عبارة عن قصة حياة الكاتب أثناء عمله بمكاتب البريد، والرواية في الأساس تجربة الكاتب الحياتية، ولأن بوكفسكي امتلك البيان كما امتلك التجربة، ظهرت تلك الرواية العظيمة.

الخبز الحافي – لمحمد شكري:
تعد رواية «الخبز الحافي» إحدى الروايات الصادمة بشكل ما، لما تحتويه من صراحة وجرأة من الكاتب غير معتاد عليهما في الوطن العربي، مما جعل هناك تناقضًا كبيرًا في تقييمها لدى القراء، ما بين مادح لها ولكاتبها، وما بين مستاء منها، بل وبالأحرى مستاءٍ من كاتبها.

يعد الكاتب المغربي محمد شكري أحد الذين امتلكوا التجربة والبيان؛ حياة غريبة عاشها في بلاده المغرب، عالم من البؤس والعنف والجوع. رجل أمي لا يعرف القراءة والكتابة حتى سن العشرين، يروي بلغة، كما قال أحدهم، تخترق الروح، سيرة حياته، وحياة أسرته، وأبيه الذي قتل أحد أولاده أثناء لحظة غضب، حياة تصعلكه وجوعه ونزواته. رواية لا بد وحتماً أن تُصنف ضمن أفضل الروايات العربية، وهي بالفعل ضمن هذا التصنيف.

تقرير موضوعي عن سعادة مدمن المورفين – لهانس فالادا:
يعد الكاتب الألماني هانس فالادا أحد الروائيين الذين قاموا بصياغة حياتهم في قالب روائي أو قصصي. يقول فالادا: «كل شيء في حياتي ينتهي في كتاب».

يحكي فالادا عن قصة إدمانه لعقار المورفين، ولهاثه وسعيه وراء «البنزين»، ذلك اللفظ الذي كان يطلقه فالادا على المورفين. في قصته يحكي فالادا ويبين لنا مأساة إدمان المخدرات وألم عطش الجسد حينما لا يتوافر العقار، وكأن المورفين بالنسبة للمدمن كالماء بالنسبة للظمآن.

يقول هانس فالادا واصفًا حاله: «ولكن عندما استيقظت في ذلك الصباح وواجهت الفراغ، أدركت أن عليّ الحصول على مورفين بأي ثمن، قلق مؤلم سيطر على جسدي كله، كانت يداي ترتعشان، وعطش فظيع كان يعذبني، لم أشعر بالعطش في حلقي فحسب، بل في كل خلية من خلايا جسمي. أمسكت بالسماعة واتصلت بفولف، لم أمهله وقتًا، وبصوت مختصر همست له: هل لديك بنزين؟ تعال فورًا! إني أموت!».

كلمات تقال في لحظات، ولكنها، على ما أظن، بالنسبة لفالادا مرت ببطء، بعذابات وآلام لا توصف.

يصف فالادا السعادة التي تمنحه إياها حقنة المورفين «بأنها مكافأة تفوق العقل، نشوة سير العقار في عروقي تحرك كل الأعصاب الصغيرة برقة ووداعة، مثل نباتات مائية في بحيرة صافية».

قصة مدمن يكذب ويهرب من صديقه بعد أن يأخذ البنزين (المورفين) منه، يقتحم إحدى الصيدليات من أجل المخدر، سيرة غريبة ومؤلمة للكاتب. أن تصبح عبدًا للنشوة، للسعادة التي تتيحها المخدرات، تجعلك تدوس على كل شيء.

من أجل تلك السعادة تسرق، تكذب، وقد تقتل، وهو سلوك في حقيقته قهري وليس اختياريًا؛ عندما يعطش جسد المدمن، سيفعل أي شيء، أي شيء، ليروي ظمأه الجنوني.

القصة تحكي في أغلبها عن السعادة والنشوة لمتعاطي المورفين، لكنها في الحقيقة ترسل رسالة شديدة التحذير من الولوج في هذا الطريق… طريق النشوة.

نجيب محفوظ ومعايشته لشخصيات رواياته: عالم نجيب محفوظ الروائي والقصصي عالم آسر، من منا لم يقرأ لنجيب وتصيبه فتنة السرد المحفوظية؟ اقرأ لنجيب أي رواية وسترى سحر نجيب، وستبحث بنهم عن رواياته.

ما سر عبقريته؟ هل شغفه بالقراءة؟ هل المكان الساحر والجمالية؟ هل معايشته لشخصيات رواياته؟

إن شخصية الفتوة التي كتب عنها محفوظ في رواياته، أزعم أن أحدًا لم يكتب عن تلك الشخصية كمحفوظ، والسبب الرئيسي أن نجيب عايشهم واختلط بهم، فامتلك كاتبنا اللغة الآسرة والتجربة المثيرة.

في النهاية، على الكاتب أن يبحث عن التجربة والمغامرة، فهي زاده في عالم الكتابة.

طالع المزيد:

باسم يوسف: السخرية كانت سلاحي في كسر السردية الإسرائيلية

 

زر الذهاب إلى الأعلى