«ثِقَل ثلاثة آلاف عام».. مفكر إسرائيلي يفتح الملفات المسكوت عنها في الدين والسياسة
كتب: على طه
يُعد كتاب Jewish History, Jewish Religion: The Weight of Three Thousand Years للمفكر الإسرائيلي إسرائيل شاحاك من أكثر الكتب إثارة للجدل التي كُتبت من داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، لما يحمله من نقد مباشر وصريح للعلاقة بين الدين اليهودي كما يُفسَّر سياسيًا، وبين سياسات دولة إسرائيل تجاه الفلسطينيين والمنطقة.
الكتاب، الذي صدر في تسعينيات القرن الماضي، لا يتوجّه إلى المختصين فقط، بل كُتب بلغة تحليلية واضحة نسبيًا، هدفها تنبيه القارئ إلى أن كثيرًا مما يجري على الأرض لا يمكن فهمه دون النظر إلى الخلفية الدينية التي تؤثر في القرار السياسي الإسرائيلي.
من هو إسرائيل شاحاك؟
إسرائيل شاحاك (1933–2001) أستاذ كيمياء في الجامعة العبرية بالقدس، وناشط بارز في مجال حقوق الإنسان، عايش الهولوكوست في طفولته، لكنه تحوّل لاحقًا إلى أحد أشد المنتقدين للصهيونية الدينية، وكرّس جزءًا كبيرًا من حياته لكشف ما اعتبره انحرافًا أخلاقيًا في توظيف الدين لتبرير القمع والتمييز.
وتكتسب آرئه الواردة فى كتابه هذا، وغيره من الكتب التى أصدرها، أهمية خاصة لأنه لا يأتي من كاتب عربي أو أجنبي، بل من إسرائيلي يهودي يكتب من الداخل، ما جعله صادمًا ومحرجًا لكثير من التيارات السياسية والدينية في إسرائيل.
الفكرة الأساسية للكتاب
ينطلق شاحاك من فكرة محورية مفادها أن التاريخ الديني اليهودي، كما يُعاد تفسيره اليوم، يشكل عبئًا ثقيلًا على الحاضر السياسي، وأن هذا “الثقل” يُستخدم لتبرير ممارسات لا يمكن الدفاع عنها أخلاقيًا أو إنسانيًا.
ويقول شاحاك في أحد أبرز مقاطع الكتاب: «السياسة الإسرائيلية لا يمكن فهمها فهمًا حقيقيًا إذا تجاهلنا التأثير العميق للتفسيرات الدينية القديمة التي لا تزال تحكم عقول كثير من صناع القرار».
الدين كأداة سياسية
يركز الكتاب على تحليل نصوص من التلمود والتفسيرات الحاخامية، موضحًا كيف تُستخدم بعض هذه النصوص لإرساء فكرة التفوق الديني والتمييز بين اليهود وغير اليهود.
ومن الاقتباسات اللافتة في هذا السياق: «في كثير من النصوص الدينية، لا يُنظر إلى غير اليهود بوصفهم متساوين في القيمة الإنسانية، وهذه الفكرة لم تبقَ حبيسة الكتب، بل انتقلت إلى السلوك السياسي».
ويرى شاحاك أن هذه الرؤية تُسهم في خلق مناخ يبرر الاحتلال، والاستيطان، والعنف، باعتبارها “أوامر دينية” أو “حقوقًا تاريخية”.
نقد الصهيونية الدينية والاستيطان
يولي شاحاك اهتمامًا خاصًا بالصهيونية الدينية، معتبرًا إياها أخطر من الصهيونية العلمانية، لأنها – حسب رأيه – تمنح الاحتلال شرعية مقدسة لا تقبل النقاش أو المراجعة.
ويكتب: «حين تتحول السياسة إلى تنفيذ لإرادة إلهية كما يراها الحاخامات، يصبح السلام مستحيلًا، ويُنظر إلى أي تنازل باعتباره خيانة للدين».
ويحذر من أن هذا النهج لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، بل يهدد مستقبل إسرائيل نفسها، ويقودها إلى عزلة أخلاقية وسياسية متزايدة.
الجيش والدين
يتوقف الكتاب عند تأثير الخطاب الديني داخل الجيش الإسرائيلي، مشيرًا إلى فتاوى وتصريحات دينية تبرر استخدام القوة المفرطة أو تميز في التعامل مع المدنيين.
ومن العبارات الصادمة التي ينقلها شاحاك: «عندما يُقنع الجندي بأن عدوه أقل قيمة إنسانية، يصبح القتل فعلًا عاديًا لا يثير الأسئلة».
لماذا أثار الكتاب كل هذا الجدل؟
واجه الكتاب هجومًا عنيفًا فور صدوره، واتُّهم شاحاك بـ“معاداة اليهود” رغم كونه يهوديًا إسرائيليًا. بينما رأى مؤيدوه أنه مارس نقدًا أخلاقيًا شجاعًا من داخل مجتمعه، وفتح بابًا ضروريًا لفهم جذور الصراع بعيدًا عن الشعارات.
وقد حظي الكتاب باهتمام واسع في الأوساط الأكاديمية الغربية، واعتُبر مرجعًا مهمًا لفهم البعد الديني غير المعلن في السياسات الإسرائيلية.
أهمية الكتاب اليوم
بعد مرور سنوات على صدوره، تبدو أفكار شاحاك أكثر راهنية، في ظل صعود اليمين الديني المتطرف داخل إسرائيل، وتزايد نفوذ الحاخامات في الحياة السياسية.
ويخلص شاحاك إلى تحذير واضح: «أي مجتمع يربط حاضره ومستقبله بتفسيرات جامدة من الماضي، محكوم عليه بالدخول في صراع دائم مع نفسه ومع الآخرين».
وقبل المغادرة نؤكد أن كتاب «Jewish History, Jewish Religion» ليس هجومًا على اليهودية كدين، بل نقدًا لاستخدام الدين كسلاح سياسي، وهو عمل يفتح أعين القارئ العام على جانب غالبًا ما يُغفل في تفسير الصراع، ويطرح سؤالًا جوهريًا هو:
هل يمكن بناء سلام حقيقي فوق نصوص تُفسَّر بمنطق التفوق والإقصاء؟!.





