تقلبات الفصول هل تفتح الباب لمرض الذهان والمخدرات؟.. استشاري نفسي يجيب

كتبت: إيناس محمد

في ظل تزايد الحديث عن تأثير تغيّر الفصول وتقلبات الطقس على الصحة النفسية، وارتباط ذلك بمخاوف تتعلق بالشباب والإدمان، تبرز تساؤلات عديدة حول العلاقة بين مرض الذهان، أو الاكتئاب الموسمي، وتعاطي المخدرات.

في الحوار التالى، تجيب سارة ممدوح، الاستشاري النفسي والأسري والتربوي، عن أبرز الاستفهامات عن علاقة الطقس بالظواهر المرضية النفسية موضحة الفروق العلمية، ودور الأسرة، وأهمية الوعي المجتمعي في الوقاية والعلاج.

س: في البداية، هل تغيّر الفصول قد يسبب الذهان لدى الشباب، ويكون سببا في إدمان المخدرات؟
ج: قبل الإجابة عن هذا السؤال، من المهم توضيح مفهوم الذهان. الذهان هو مرض عقلي يفقد فيه الشخص القدرة على التمييز بين الواقع والخيال، وقد يعاني المصاب من هلاوس سمعية أو بصرية، أو يفسر تصرفات الآخرين بشكل خاطئ، إضافة إلى اضطرابات النوم والسلوك.
وهنا يجب التفريق بين الذهان الحاد، الذي قد يظهر فجأة دون مقدمات واضحة، والذهان المزمن الذي يستمر لفترات طويلة ويتطلب علاجًا مستمرا، وغالبا ما يرتبط بأمراض مثل الفصام.
أما تغيّر الفصول، فهو لا يسبب الذهان بشكل مباشر، لكنه قد يؤدي إلى الاكتئاب الموسمي أو تقلبات مزاجية تؤثر على الحالة النفسية، خاصة لدى من لديهم استعداد نفسي أو مشكلات سابقة.

س: هل يمكن لمريض الذهان أن يعود إلى حياته الطبيعية؟
ج: نعم، يمكن ذلك بشرط الاكتشاف المبكر، والعلاج الفعّال، مع توفير دعم أسري قوي. ويشمل هذا الدعم تفهّم مشاعر المريض، التحلي بالصبر، عدم السخرية أو نفي مخاوفه، الاستماع الجيد له، وتوفير بيئة هادئة وآمنة أثناء التعامل معه، لأن العامل الأسري يلعب دورا محوريا في سرعة التعافي ومنع الانتكاسات.

س: ما علاقة تعاطي المخدرات بمرض الذهان؟
ج: تعاطي المواد المخدرة قد يؤدي إلى الإصابة بالذهان نتيجة التغيرات الكيميائية التي تُحدثها هذه المواد في المخ، خاصة المواد التي تؤثر على مراكز الإدراك والوعي. وغالبا ما يكون وراء تعاطي المخدرات مشكلة نفسية أو سلوكية لم يستطع الشخص التعامل معها، فيلجأ إلى الهروب من الواقع عبر المخدرات، ثم ينتقل تدريجيا إلى مواد أقوى، ليقع في دائرة الإدمان.
وتظهر على المتعاطي في المراحل الأولى علامات مثل الإرهاق المستمر دون مجهود، اضطرابات النوم، احمرار العينين، وفقدان الشهية، وهي إشارات تحذيرية لا يجب تجاهلها.

س: وكيف يؤثر تغيّر الفصول والطقس على الصحة النفسية؟
ج: تغيّر الفصول قد يؤدي إلى الاكتئاب الموسمي، الذي يتمثل في الشعور بالضيق، ضعف التركيز، فقدان الاهتمام بالأنشطة اليومية، القلق من المستقبل، النظرة السلبية للغد، وإهمال النظافة الشخصية.
كما أن تقلبات الطقس تؤثر بشكل أكبر على مرضى الذهان، حيث قد تؤدي إلى تفاقم الأعراض أو عودة النوبات بعد فترة من التحسن، ما يستدعي التدخل العلاجي الفوري لحماية المريض من إيذاء نفسه أو الآخرين. ويرتبط الاكتئاب الموسمي غالبا بقلة التعرض لضوء الشمس، خاصة في أواخر الخريف، مما يقلل من إنتاج فيتامين (د) المهم لتنظيم الحالة النفسية.

س: هل تغيّر المناخ هو السبب الرئيسي في اتجاه الشباب إلى الإدمان؟
ج: لا، تغيّر الفصول وحده ليس سببا مباشرا للإدمان. الشخص الذي يعاني من ضغوط حياتية أو مشكلات غير محلولة، ولا يجد دعما كافيا، قد يلجأ إلى المخدرات كوسيلة للهروب. ويُعد غياب الوعي الديني، والتفكك الأسري، وانتشار الأفكار الخاطئة بين المراهقين، من أبرز الشرارات الأولى لطريق الإدمان.
حتى من يتعاطون المخدرات في المناسبات أو على فترات متباعدة، قد ينزلقون إلى الإدمان عند مواجهة أزمة، لأن المخدر يصبح وسيلة جاهزة للهروب من الواقع بدل مواجهته.

س: ما المراحل المبكرة لتطور الذهان؟
ج: تبدأ المراحل المبكرة غالبا بالقلق، والانطواء الاجتماعي، واضطرابات النوم، وتراجع الأداء الدراسي أو المهني، ثم تتطور في المراحل الحادة إلى الأوهام والهلاوس وفقدان الاتصال بالواقع. وإذا لم يتم التدخل العلاجي في الوقت المناسب، قد يصل الأمر إلى إيذاء النفس أو التفكير في الانتحار، وهو ما يؤكد أهمية الاكتشاف المبكر.

س: ما العلامات التحذيرية المبكرة التي يجب أن تنتبه لها الأسرة قبل تطور الذهان أو الإدمان؟
ج: من أبرز العلامات تغيّر السلوك المفاجئ، الانسحاب الاجتماعي، العصبية الزائدة أو اللامبالاة، اضطرابات النوم الشديدة، تراجع المستوى الدراسي، فقدان الاهتمام بالمظهر الشخصي، والتقلبات المزاجية الحادة. وفي حالات الإدمان قد تظهر تغيرات في الدائرة الاجتماعية، أو طلب المال بشكل متكرر دون مبرر واضح. هذه العلامات لا تعني بالضرورة وجود مرض، لكنها مؤشرات تستدعي الانتباه والتدخل المبكر.

س: هل العلاج النفسي وحده كافٍ في حالات الذهان أم لا بد من العلاج الدوائي؟
ج: في أغلب حالات الذهان، يكون العلاج الدوائي عنصرا أساسيا لاستقرار الحالة والسيطرة على الأعراض الحادة، بينما يأتي العلاج النفسي والدعم الأسري كعوامل مكملة لا غنى عنها. الجمع بين العلاجين يحقق أفضل النتائج، ويقلل من فرص الانتكاس، خاصة عند الالتزام بالخطة العلاجية والمتابعة الدورية.

س: ما دور الأسرة في الوقاية والعلاج؟
ج: نحن نعيش في عصر انفتاح تكنولوجي هائل، حيث أصبحت الأفكار والمعلومات متاحة بسهولة عبر الإنترنت، وهو ما يقلل من دور الأسرة إذا غاب التواصل. لذلك، من الضروري أن تتابع الأسرة أبناءها، تعرف أصدقاءهم، أماكن ذهابهم، وتتحاور معهم كأصدقاء لا كسلطة قمعية.
العنف والتقليل من شأن المراهق يدفعانه للبحث عن بديل خارج الأسرة. كما أن مراقبة المصروفات، وإسناد مسؤوليات أسرية، تعزز لديه الشعور بالمسؤولية والانتماء.
ويجب رفع وعي الأسرة من خلال الندوات والبرامج التوعوية والدور الديني، لأن غياب الوعي بأساليب التربية السليمة قد يكون طريقًا غير مباشر للإدمان.
س: وماذا عن الأسر غير القادرة ماديا على علاج أبنائها؟
ج: المصحات الحكومية والمستشفيات الجامعية تقدم العلاج المجاني، لكن الأهم هو إبعاد المريض عن البيئة التي شجعته على الإدمان، واختيار مرشد ديني أو نفسي لمتابعته بعد العلاج، لأن الدور التربوي للأسرة أثناء العلاج وبعده هو الأساس. فالفقر ليس سببًا للإدمان، وإنما العوامل النفسية والاجتماعية المحيطة بالفرد.

س: هل للإعلام والدراما تأثير على سلوك الشباب؟
ج: نعم، بعض المسلسلات والأفلام تروج للعنف، وتهدم القيم، وتبث إيحاءات غير مناسبة، ما يساهم في تشويه الوعي وتدمير الذوق الاجتماعي، ويخلق حالة من التطبيع مع السلوكيات الخاطئة، وهو ما يؤثر سلبًا على وعي الشباب وسلوكهم.

س: كيف تتشكل شخصية الطفل نفسيا؟
ج: الصورة الذهنية للطفل، خاصة الذكور، تتكون بدرجة كبيرة من تعاملهم اليومي مع الأب كنموذج للرجل. فالطفل الذي ينشأ في بيئة مليئة بالصراخ والعنف والسخرية، دون اهتمام بمشاعره، يكون أكثر عرضة للاضطرابات لاحقا.
والمتعافي من الإدمان يحتاج إلى إعادة بناء نفسي داخل بيئة جديدة صحية، لأن لكل أسرة ثقافتها وقيمها التي تشكل وعي الأبناء منذ الطفولة.

س: ما الرسالة الأهم التي تودين توجيهها للأسر والشباب؟
ج: الوقاية تبدأ من الوعي، والحوار المفتوح داخل الأسرة، وعدم التقليل من أي مشكلة نفسية يمر بها الشاب. الدعم النفسي، والاحتواء، وطلب المساعدة في الوقت المناسب، هي خط الدفاع الأول لحماية الشباب من الذهان والإدمان، وبناء جيل أكثر وعيا واستقرارا نفسيا.

تغيّر الفصول قد يؤثر على الصحة النفسية، لكنه ليس سببا مباشرا للذهان أو الإدمان. المشكلة الحقيقية تبدأ من الضغوط النفسية غير المُدارة، وغياب الدعم الأسري والوعي المجتمعي، ما يجعل الوقاية تبدأ دائما من الأسرة، والتعليم، والحوار، قبل أي تدخل علاجي.

طالع المزيد:

انتبه: «تيك توك» تصيب أطفالك بمرض نفسى وعصبى

زر الذهاب إلى الأعلى