حين يصبح الهروب قدَرًا: حوار عن الألم والذاكرة والكتابة كنجاة
كتب: إسلام فليفل
في رواية «هاربٌ إلى قدَري»، لا يُقدَّم الألم بوصفه حدثًا عابرًا، بل تجربة وجودية ممتدة، تتقاطع فيها الحرب مع الاغتراب، والذاكرة مع الكتابة.
يفتح الكاتب والطبيب د. محمد جودة في حوار لموقع “بيان” نافذة على عالم الرواية، متأمّلًا الزمن المختلط، والهشاشة الإنسانية، والكتابة كفعل نجاة ومواجهة صامتة مع الفقد.. وإلى نص الحوار :-
بدايةً، كيف وُلدت فكرة رواية «هارب إلى قدري»؟ وهل جاءت الكتابة كردّ فعل مباشر على تجربة شخصية أم كحاجة داخلية مؤجلة؟
الرواية كتبَتْ نفسها على إيقاع صوتٍ داخلي، كان يتعاظم مثل جنّـيٍّ ضاق به مصباحه السحري، ليخرج إلى العالم ولو مؤقتاً. شعرتُ أن أحداً ما كان يوسوس لي بالبوح، خوفاً من التيه الذي يؤثث أرواحنا حين نصرّ على كتمان ما يعصف بدواخلنا. إن التمسك بالكتمان للتظاهر بالتماسك النفسي يصيبنا بحالة ندمٍ مستديمة، وبغصّةٍ لزجة تكبر مع الوقت، مثل غدّةٍ سرطانية، يصير التعافي منها مستحيلاً والتعايش بها تطبيعاً مع عدميّة قاسيّة.
لذلك، كان الانهيار كتابةً وصفةً سماويةً، لخلقِ يدٍ طفوليّة تضمد جرح الحكاية باتقانٍ، كما يحفظ الوحي عناوين الرسالات.
في الرواية حضور واضح لفكرة الزمن المختلط وكأنه يعيد نفسه، ماذا يمثّل الزمن لديك في هذا العمل؟ وهل هو عنصر سردي أم حالة نفسية؟
لقد تجاوز الزمن بُعده في الرواية، ليصير سقوطاً لانهائياً، ومرآة معتمة تحاول يائسةً فرضَ إحداثياتٍ مشتهاة، لكنها تفشل في ذلك، وتغرق في زحام الفجائيّة، لتصير اللحظة مطلع الزمن وسدرة منتهاه، ويتوقف التقويم المعتاد أمام أبواب الحرب المؤصدة. لقد ظل الزمن حائراً، لا يدرك اتجاهه، وكأنه يمضي في دوائر بلا عمودٍ فقري، تماماً كما كنّا نحن في الحرب، نسير وفق خريطة بلا حدود، نقتفي طيش الأمل، ونربي العجز كما يربي التاريخ قوائم المفقودين والضحايا.
تقول في أحد مقاطع الرواية:
«في الغربة يصرخ المرء على اتساع المدى، دون أن يرتدّ إليه الصدى»
كيف أثرت تجربة الاغتراب على صوتك السردي وعلى رؤيتك للذات والهوية؟
يعتقد المرء أن الغربة سجنه المفتوح، الذي يقبض على عنقه بلا أصابع، بل يخنقه بالهواء، لكنه حين يصل إلى وطنه يغترب من جديد؛ يُسجَنُ بالمعنى ويُحاصَر بالخيبة، ويشعر أن صدعاً بدأ يكبر في جدار الحلم. هذا الارتداد البندولي بين الوطن والغربة، يشبه الانزلاق الممتدّ في الأفق، وكأننا نحتاج الوطن كتفسيرٍ للغربة، وننساق في الغربة كاستشفاء من تشنجات الوطن. هنا، تصرخ الهوية العصابية، وتتكسّر الذات الجافة؛ ويحتل سؤال الوجود جغرافيا الإجابة كاملة بطريقة شبه استعمارية، كأننا خُلِقنا لنمارس لاانتماءنا بسليقةٍ ما تدرّبنا عليها في وقتٍ لا ندركه.
تبتعد الرواية عن البطولة والشعارات، وتقدّم الألم في صورته العارية. هل كان هذا خيارًا واعيًا منذ البداية؟ ولماذا فضّلت هذا المسار السردي؟
الألم هو الشعلة الأرجوانية في الروح البشرية، ولولاه لانطفأت الحياة. الرواية هي مطالعة لأرشيفٍ سرّي مهجور، واستكشاف لشعورٍ مدفونٍ تحت طمي الصدمات. هنا يأمل “العاديّ” في أن يطفيء سراج البطولة، ثم ينام آمناً فوق التراب لا تحته، ككيانٍ لا كأيديولوجيا، بكينونته البسيطة التي لا يخشى الإعلان عنها أو يخاف من تأفّف الآخرين من بوحها، ولا يتردد أمام سعيهم الحثيث إلى تقييمها وتقويمها. الرواية تحاول أن تمنح هذا العاديّ قلبَها، بعدما أعطته الحياة ظهرها، وزجّتْ به في معارك لم يكن هو بطلها أو حامل رايتها، وأرغمته على تجرّع الاختيارات السامة وتسلّق الاحتمالات الشاهقة التي لا تطلّ إلا على الهاوية. إن حروبنا الجوّانية أكثر شراسة من تلك التي تدور حولنا، وإن هروبنا من القصف أهون على الذاكرة من تجاهلنا لآلامنا الصافية التي تشكّل مسيرتنا الحقيقة، وإن احتفاءنا بهشاشتنا كبشرٍ أشدّ صدقاً من الوفاء لشعاراتٍ تتنصّل منا في كل مرة نلجأ فيها إليها.
في الرواية حضور كثيف لفكرة “الحياة المؤجَّلة” لدى الفلسطيني. كيف ترى أثر هذا التأجيل المستمر على النفس الإنسانية وعلى معنى الوجود؟
الفلسطيني هو كائنٌ مؤجل، أو هكذا يُراد له، لأن ذلك التأجيل بمثابة السحابة التي تحلق فوق صحراء قاحلة يؤمل أن تمطر يوماً ما، لترتعش الأرض فرحاً ونشوة؛ لكن السحابة لا تمطر وكذلك لا تغيب. والتأجيل ليس حالةً تُعاش وحسب، بل استراتيجية تفرَض وخطّة تُحاك، حتى يظل الفلسطيني ابن الانتظار الذي يفضي إلى المجهول في كل مرة. إن التأجيل استعمارٌ للحلم وإقامة جبرية على المستقبل وحصار مستبدٌّ لأشعّة الوجود.
بصفتك طبيب أورام، كيف انعكست مهنتك الطبية على طريقة تعاملك مع الألم والفقد في النص؟ وهل ترى تشابهًا بين المعالجة الطبية والمعالجة بالكتابة؟
في طب الأورام تتكرر حالات الفقد، ويحدّق المرضى في موتهم بتمعّنٍ قبل الولوج فيه، وتتلاطم في عقولهم أمواج الذكريات، كما تهبّ الأمنيات أمام أنظارهم كالعواصف. تلك الهزّة الساكنة التي كانت تسري في الروح أثناء انتظار الموت، اتخذت من كلمات الرواية أعشاشاً آمنة، بعدما كان الأمان تحت الإبادة سراباً، كلما اقتربنا منه اختفى.
لكن الفقد في الإبادة تعدّى سقوط الشهداء، ليكون فقداً شاملاً للذات وللذاكرة والإنسانية والاتزان الظاهري للعالم، كأننا نمضي بلا وزنٍ في طريقٍ لم يعُد منه أحد. لذلك كان الألم عصيّاً على التأويل، وظل الفقد فاقداً لمعناه، وأصبح الاحتضار الأخير آنيّةً مزمنة.
أشرت إلى أن الكتابة كانت وسيلة للتعافي ومواساة الذات، إلى أي مدى نجحت الرواية في تخفيف عبء الذاكرة لديك بعد الانتهاء منها؟
لقد كتبتُ لأجل الكتابة، باعتبارها ملاذاً هادئاً لنزيف حرّ عفويٍّ يتلو وصيّته على نفسه ويكتب مرثيته لخلوده المنتَظر. لم أكتب كي أنسى، بل كي أتّحد مع ذلك الذي كان يبتعد عني، وكي أمسك بذيلِ معطفي قبل أنا أغادرني إلى الأبد. لقد كانت الكتابة درباً واعياً نحو الذات، ونزعاً للقشور الصماء التي تغلّف الروح، ومسرحاً شجاعاً كي تمارس الأنا هذيانها بطلاقتها المستحبّة.
أشعر حقاً بالامتنان لتلك الخطوة ولذلك الوسواس، وأدرك في أعماقي أنني بعدها أصبحت أكثر قدرةً على الطفو.





