جوانب خفية من حياة عبد الفتاح القصري في ذكرى ميلاده

كتب: ياسين عبد العزيز
وُلد الفنان عبد الفتاح القصري في 15 أبريل، واختلفت المصادر التاريخية حول عام ميلاده الدقيق، حيث ذكرت نجلاء القصري ابنة شقيقه أنه من مواليد عام 1905، بينما أكد المؤرخ الفني ماهر زهدي وفقاً لأبحاثه وتناوله لسيرة الفنان أنه ولد في عام 1897، ليبقى هذا التباين قائماً في السجلات الفنية التي توثق حياة أحد أبرز رموز الكوميديا المصرية.
حبس الإعلامي أحمد رجب 6 أشهر لسب الفنانة بدرية طلبة
نشأ القصري في عائلة ثرية تعمل في تجارة الصاغة، حيث امتلك والده فؤاد القصري محلات لتجارة الذهب في منطقة الجمالية، وكان جده يطمح في رؤية حفيد يرث مهنة الأجداد ويحافظ على اسم العائلة في سوق الذهب، مما جعل ميلاد عبد الفتاح يوماً استثنائياً للعائلة التي كانت توصف بأنها قليلة الإنجاب، ليصبح الحفيد المدلل منذ صغره.
ارتبط الفنان الراحل بمنطقة الجمالية وبجده ارتباطاً وثيقاً منذ طفولته المبكرة، حيث اختلط بأولاد البلد والتجار والباعة الجائلين، واكتسب منهم طريقتهم في الحديث والتصرفات العامة، وهو ما ظهر جلياً في ارتدائه للجلباب الشعبي، ومحاكاته الدقيقة لأنماط الشخصيات البسيطة التي جسدها لاحقاً على شاشات السينما والمسرح باحترافية عالية.
ألحق الوالد نجله بمدرسة “الفرير” الفرنسية رغبة منه في تعليمه بمدارس الطبقة الراقية آنذاك، ورغم تفوقه الدراسي إلا أنه كان دائم التأخر عن المواعيد الرسمية بسبب سهره مع أصدقائه على المقاهي، واستمر في دراسته حتى أتقن اللغتين الإنجليزية والفرنسية بطلاقة، قبل أن يتخذ قراره النهائي بعدم استكمال مسيرته التعليمية التقليدية.
بدأ القصري محاولاته لاحتراف الفن بعد تعرفه على عدد من فناني المسرح، فالتحق بفرق فوزي الجزايرلي وعبد الرحمن رشدي، إلا أن هذه الفرق واجهت تعثرات إدارية، مما دفعه للتقدم للعمل بفرقة “جورج أبيض” الذي تحمس له بمجرد علمه بإتقانه للغات الأجنبية، وقدرته التقنية على ترجمة بعض الروايات والمسرحيات العالمية لصالح الفرقة.
منحه جورج أبيض دور “العراف الأعمى” في مسرحية “أوديب ملكاً” كأول ظهور مسرحي جاد له، وعندما وقف أمام جورج أبيض الذي قال له “صهٍ يا ابن الجحيم”، رد القصري بطريقته الكوميدية المعهودة قائلاً “واحسرتاه أنا تقول لي صهٍ”، مما أدى لانفجار الجمهور بالضحك وخروج جورج أبيض عن حالة الاندماج الدرامي، ليقرر الأخير إغلاق الستار فوراً.
انفعل جورج أبيض في الكواليس ووصف القصري بالممثل الفاشل، وقام بصفعه وطرده من المسرح، ظناً منه أن هذا الممثل أفسد تراجيدية العرض المسرحي، وانتشرت تفاصيل الواقعة في الصحف اليومية، مما دفع القصري للاعتقاد بأن مشواره الفني قد انتهى قبل أن يبدأ فعلياً، وبأن الفرق المسرحية الأخرى لن تقبل بتوظيفه بعد هذا الحادث.
سمع الفنان نجيب الريحاني بواقعة طرد ممثل مغمور لأنه أضحك الجمهور في مشهد تراجيدي، فبدأ بالبحث عنه فوراً رغبة منه في ضمه لفرقته الكوميدية، وبعد العثور عليه وقع معه عقداً رسمياً للعمل، لتشكل هذه الواقعة نقطة الانطلاق الحقيقية للقصري نحو النجومية، ويتحول من مترجم للمسرحيات إلى أحد عمالقة الكوميديا في تاريخ الفن العربي.
جسد القصري شخصيات المعلم والحانوتي وابن البلد ببساطة شديدة جعلت الجمهور يعتقد أنه أمي لا يعرف القراءة والكتابة، بينما كانت حقيقته تعكس تعليماً لغاتياً راقياً وقدرة على الترجمة، وظلت إيفيهاته وعباراته الشهيرة في أفلام مثل “الأستاذة فاطمة” راسخة في وجدان الأجيال المتعاقبة، بفضل قدرته على تطويع أدائه ليتناسب مع البيئة الشعبية المصرية.
اعتمد القصري في نجاحه على التناقض بين خلفيته الأرستقراطية وثقافته اللغوية وبين الأدوار التي برع في تقديمها، مما منحه بصمة متفردة لم يسبقه إليها أحد، حيث ظل محافظاً على التوازن بين الأداء العفوي والتمكن الفني، ليترك خلفه إرثاً سينمائياً وتاريخياً يوثق تطور المسرح والسينما في مصر خلال القرن العشرين، مع الحفاظ على الأرقام والتواريخ المسجلة.





