لواء دكتور/ شوقي صلاح يكتب: هل من رادع للعدوان الأمريكي على ثروات وقدرات الدول؟
بيان
صُدم العالم فجر الثالث من يناير الجاري بعملية عسكرية/أمنية قامت بها الولايات المتحدة الأمريكية وأسفرت عن خطف الرئيس الفينزويلي مادورو وزوجته، مدعية بأن دولته متورطة في تهريب المخدرات للولايات المتحدة الأمريكية.
وحرصت القوات الأمريكية على إهانة الرجل وزوجته ونشر تلك الإهانات، في رسالة ردع لآخرين.
وجدير بالذكر أن الصين هي المورد الرئيسي لمخدر الفينتانيل لأمريكا – هذا المخدر يصنع من مركبات كيميائية وتأثيره يتجاوز ١٠٠ ضعف مخدر الأفيون- وإليه يرجع السبب الرئيسي لموت عشرات الآلاف سنويا في الولايات المتحدة الأمريكية، وبالطبع فلا طاقة لأمريكا بمواجهة الصين في هذا الشأن.
وسوف نطرح في هذا السياق: أهم ملاحظاتنا على عملية خطف الرئيس الفنزويلى مادورو فى التالى:
– بداية: غني عن البيان أن هدف الرئيس ترامب من العملية هو الاستحواذ على احتياطيات نفط فنزويا التي تُقدر بحوالي 303 مليار برميل، وهو ما يمثل حوالي خُمس الاحتياطي العالمي.
وصرح بعدها ترامب بأنه: على السلطات الفنزويلية أن تسليم مقاليد استخراج النفط في البلاد للشركات الأمريكية، وسوف تحصل على جزء من هذه العائدات تقدرها الولايات المتحدة الأمريكية، وبهذا فإن هذا العدوان يمثل عملية سطو مسلح على ثروات دولة عضو في الأمم المتحدة، ومع هذا يجاهر ترامب وإدارته بأنهم لا يعبؤون بالقانون الدولي أو المحاكم الدولية، فهم يرون أن العالم غابة، يحكمه قانون البقاء فقط للأقوى !.
– ولا شك أن المهمة نجحت بامتياز من منظور العمليات.. فقد شاركت فيها قوات الجيش وقوات النخبة، وأجهزة للمخابرات في تنسيق مبهر.. ونجحت في تحقيق هدفها الرئيسي ألا وهو خطف الرئيس وزوجته، ونتج عنها وفاة مائة شخص فينزويلي – مدني وعسكري- ولم يصب أي جندي أمريكي في هذه العملية، وبهذا فستظل هذه العملية موضعا للدراسة في كافة الأكاديميات العسكرية والأمنية على مستوى العالم، باعتبارها نموذجا للعمليات الناجحة.
– ونؤكد في هذا السياق على أن الاستيلاء على ثروات فنزويلا يهدف به ترامب استقطاب شريحة كبيرة من الأمريكيين للوقوف مع الحزب الجمهوري في الانتخابات النيابية القادمة.. والدافع أنتم مع رئيس قوي سيجعل أمريكا هي الأقوى ويضمن لها الازدهار.. خاصة بعد فشل سياساته الجمركية العقابية فشلا ذريعا.
– وببالغ الأسف لم يدن العملية سوى الصين وروسيا، بينما اكتفى بعض قادة أوروبا بالتصريح بعدم قانونيتها، وستواجه أوروبا قريبًا احتلال الولايات المتحدة لجزيرة غرينلاند الدنماركية ولن تستطع الدنمارك ولا دول أوروبا حمايتها، ولن يعبأ بهم ترامب، فالجزيرة تهمه لثرواتها الهائلة.. خاصة وأنه يعتبر حلف الناتو يشكل عبئا على الولايات المتحدة الأمريكية.
وهنا علينا أن نقف انتباه ونحيي فخامة الرئيس المصري/ عبد الفتاح السيسي على جديته في الارتقاء بمستوى تسليح وتدريب الجيش المصري وأجهزتنا الأمنية.. لتصبح على قدر تحديات المرحلة.. خاصة في مواجهة حكومة الإبادة الجماعية الإسرائيلية.
– ولعل اغتصاب ثروات فنزويلا من النفط والغاز هي خطوة ضرورية للتحضير لتوجيه ضربة قاضية لإيران بمشاركة إسرائيلية، لإجهاض مشروعها النووي والصاروخي، وإسقاط نظامها، فضرب إيران سيترتب عليه غالبا غلق مضيق هرمز، وهو ما يؤدي لارتفاعات جنونية في أسعار النفط والغاز، وهنا ستقدم الولايات المتحدة البديل من ثروات فنزويلا.. وستؤثر بقوة على الصناعة الصينية والأوروبية وستجني الأرباح التي تكفل لها الانفراد بالقمة وحدها دون منافس.
– هذا، وبعد عملية القبض على مادورو تساءل الكثيرون: أين دور الصين وروسيا في حماية فينزويلا ؟؟؟
والإجابة: لا شك أن روسيا والصين لن يحارب أي منهما من أجل فنزويلا أو إيران.. ولكن طالما هناك مصالح لكليهما مع الدولتين المشار إليهما، فهناك حد أدنى من الدعم كان عليهما تقديمه، فالدعم المعلوماتي في التوقيت المناسب كان واجبا لإفشال مهمة القوات الأمريكية !.
ونتساءل أيضًا: لماذا لم يشمل الدعم جانبًا خططيًا وتدريبيًا، ودعما عسكريا يتضمن أنظمة دفاع جوي وصاروخي فعالة، يتحقق من خلالها مواجهة مؤثرة ضد عدوان أمريكي جاهرت به الولايات المتحدة قبل وقوعه.. ألم تتعلم روسيا من درس سوريا ؟! وقد تكبدت خسائر فادحة بعد انهيار نظام الأسد.. ومن المؤسف أنه: من يعتمد على روسيا أو الصين فهو واهم.
وأفادت مؤخرا مصادر إخبارية بأن الولايات المتحدة قامت باحتجاز ثلاث ناقلات نفط من أسطول الظل الروسي الذي يتاجر في نفط فنزويلا.. كما صرح الرئيس الأمريكي بأنه سيبيع للصين وروسيا كل ما تحتاجانه من النفط بعد تمام سيطرة الشركات الأمريكية على حقول النفط والغاز الفنزويلي.
هذا، ويثور في أذهان الكثيرين تساؤل مفاده: هل من رادع للغطرسة الأمريكية وغرور القوة المفرطة التي تتعامل بها هنا وهناك ؟.
الإجابة: نعم، ولكن مادورو لم يكن مستعدا لمواجهة السيناريو الذي حدث، فهناك إجراءات وقائية كثيرة كان على أجهزة مخابراته أن تتخذها.
أما عن عمليات المواجهة، فالردع يمكن أن يتحقق من خلال عمليات انتقامية ضد المصالح أو من يحملون الجنسية الأمريكية حول العالم، يفترض أن يقوم بها عناصر فنزويلية لديها عقيدة تصل لحد التضحية بالنفس في سبيل الوطن، حيث يتم تدريبها على عمليات منها: احتجاز رهائن – لسفارة أو شركة أو ما شابه – ثم المطالبة بإخلاء سبيل رئيسهم في مقابل إخلاء سبيل الرهائن.
ونؤكد في هذا الصدد على أن: رد فعل السلطات الأمريكية تجاه العملية الأولى من هذا النوع سيكون الرفض المطلق والتهديد والوعيد.. وغالبًا سيقضى على الرهائن ومحتجزيهم معا، ولكن عندما تتكرر هذه العمليات حول العالم وداخل الولايات المتحدة الأمريكية سينزل الجمهور الأمريكي لينادي بسقوط النظام.
وهنا نستحضر تصريح كمالا هاريس نائبة الرئيس الأمريكي السابق، تعقيبًا على عملية خطف الرئيس الفنزويلي: “العملية الأمريكية تهدد بفوضى يدفع ثمنها العائلات الأمريكية”. كما صرح مسؤول أمريكي سابق رفيع المستوى لشبكة (CNN) قائلا: “إن إعادة فتح السفارة الأمريكية في فينزويلا مع كونه أمرا ملحا، إلا أن وزارة الخارجية عليها التأكد من توافر الظروف الأمنية التي تضمن سلامة الأفراد الأمريكيين.. بحيث تكون هناك ثقة تامة في عدم تعرضهم للاختطاف أو احتجازهم كرهائن”.
ومن ناحية أخرى، فقد تتطور الأحداث بعد أن تصبح فنزويلا تحت الاحتلال الأمريكي، ليناضل شعبها للتحرر.. وتتكرر بالتالي مأساة أفغانستان وفيتنام والعراق.
ونستحضر في سياق مشابه، وقائع عملية إرهابية قاما بها الشهر الماضي ذئبان منفردان ضد مجموعات من اليهود وهم يحتفلون على شاطئ بونداي بمدينة سيدني بأستراليا، ومات على أثرها 15 يهوديا، وجرح العشرات.. انتقاما للمدنيين من سكان غزة الذين يقتلون على أيدي الجيش الإسرائيلي والمستوطنين.
خاصة وقد تجاوز عدد الشهداء الفلسطينيين السبعين ألفًا، والجرحى تجاوزت أعدادهم بكثير هذا الرقم، ومازال نتنياهو يرتكب المزيد من جرائم الإبادة الجماعية للفلسطينيين.. فهل يمكن لنتنياهو وحكومته المتطرفة تحمل الانعكاسات السلبية للمزيد من هذه العمليات حال تكرارها ؟؟؟
إن سيطرة الشركات الأمريكية على منابع النفط في فنزويلا سيسفر عنه تعارض للمصالح بينها وبين الشركات الصينية والروسية، مما يهدد بمواجهات عسكرية محتملة.. وبهذا فإن توفير الجيش الأمريكي للحماية لتلك الشركات ستصبح فاتورته باهظة الثمن.
وأخيرا، ومع ترقب إيران لعدوان إسرائيلي/ أمريكي وشيك فما هي الإجراءات التي عليها اتخاذها الآن لتلك المواجهة ؟؟؟ لعل أهم عناصر الإجابة قد أشار إليها ميدفيدف الرئيس الروسي السابق ونائب رئيس مجلس الأمن الروسي الحالي في تصريح له قال: ” لكي تحافظ على أمن بلادك القومي في هذا العالم.. يجب أن تمتلك سلاحًا نوويًا”.
فهل هذه الرسالة يوجهها الآن لكي تحافظ على أمن بلادك القومي في هذا العالم، فيجب أن تمتلك أسلحة نووية لإيران ؟!.
……………………………………………………………………..
كاتب التقرير: الخبير الأمني والقانوني – عضو هيئة التدريس بأكاديمية الشرطة.





