لواء د. أحمد الجيزاوي يكتب: من العقيدة إلى التطبيق.. كيف تُدار القوة الأمريكية في ظل العقيدة الأمنية الجديدة؟
بيان
إذا كانت العقيدة الأمنية الأمريكية الجديدة قد أعادت تعريف الصراع بوصفه حالة دائمة، فإن السؤال الحاسم لم يعد: لماذا تغيّرت هذه العقيدة، بل كيف تُدار فعليًا عبر السلوك الخارجي الأمريكي؟ فمن فنزويلا إلى جرينلاند، ومن أفريقيا إلى إيران، تكشف ممارسات واشنطن عن نمط متماسك في استخدام القوة، يقوم على التصعيد المرحلي، وإدارة المخاطر، وفرض الوقائع دون الانزلاق إلى حروب شاملة.
وتعكس هذه الممارسات انتقال الولايات المتحدة من منطق إدارة الأزمات إلى منطق إدارة الصراع ذاته؛ فالقوة لم تعد أداة لحسم المواجهات أو إنهائها، بل وسيلة لإعادة تشكيل البيئات الاستراتيجية بمرور الوقت، وإرهاق الخصوم، وتقييد خياراتهم، ودفعهم إلى التكيف مع معادلات جديدة تُفرض تدريجيًا. وبهذا المعنى، تُدار القوة الأمريكية اليوم كعملية مستمرة، لا كفعل استثنائي.
ويتجلّى هذا النمط بوضوح في الحالة الفنزويلية؛ فبدل التدخل العسكري الشامل أو الاكتفاء بسياسات العقوبات التقليدية، اعتمدت واشنطن مسارًا تصعيديًا متدرجًا جمع بين الضغط الاقتصادي، والتحركات المحدودة، والتغليف القانوني والإعلامي للعمليات. لم يكن الهدف إسقاط النظام عبر مواجهة مباشرة، بل إنهاكه، وتقييد حركته، وفرض وقائع جديدة دون تحمّل كلفة حرب مفتوحة، في نموذج يعكس استخدام القوة كأداة إدارة طويلة النفس.
أما جرينلاند، فتقدّم تطبيقًا مختلفًا للعقيدة ذاتها؛ إذ لا تتخذ المواجهة طابعًا عسكريًا مباشرًا، بل تتجسد في صراع جيوسياسي ممتد على الجغرافيا والممرات والموارد. وتعكس إعادة طرح الجزيرة كأصل استراتيجي انتقال الأمن القومي الأمريكي من الدفاع عن الحدود إلى السيطرة الاستباقية على الفضاءات الحيوية، في سياق منافسة باردة جديدة تتداخل فيها الجغرافيا بالاقتصاد وبالردع غير المباشر.
وفي أفريقيا، ولا سيما نيجيريا، تتخذ العقيدة طابع إدارة الفوضى بدل بناء الاستقرار؛ فواشنطن لا تسعى إلى إعادة تشكيل الدولة أو معالجة جذور الأزمات، بل إلى منع الانهيار، وتأمين الموارد والمعادن الحرجة، ومكافحة التهديدات العابرة للحدود بأدوات منخفضة الكلفة السياسية والعسكرية، وهو تصور للأمن يقوم على الحد الأدنى الكافي، لا على التحول البنيوي.
ويبقى الملف الإيراني الاختبار الأكثر حساسية لهذا النمط؛ فالتصعيد اللفظي، وربط الملف النووي بالسلوك الإقليمي، والتلويح المستمر بالخيار العسكري، جميعها مؤشرات على مقاربة ترى في الحرب أداة تفاوض محتملة لا خيارًا أخيرًا. فالحرب هنا احتمالٌ مُدار يُستخدم للضغط وإعادة التشكيل، لا للحسم النهائي.
ويكتمل فهم هذا السلوك عند النظر إلى موقع القانون الدولي والأمم المتحدة في العقيدة الأمريكية الجديدة؛ فواشنطن لا تسعى إلى تقويض النظام الدولي صراحة، بقدر ما تعمل على إعادة تفسيره وتكييفه مع متطلبات الصراع المستمر. وبدل التعامل مع القانون الدولي بوصفه إطارًا ملزمًا، يُعاد توظيفه بصورة انتقائية، يُستدعى حين يخدم الأهداف الاستراتيجية ويُهمَّش حين يعيق سرعة الفعل. وفي هذا السياق، تتراجع مركزية الأمم المتحدة كمصدر حصري للشرعية، لصالح شرعية مستمدة من منع التهديد وإدارة المخاطر.
في المحصلة، تكشف هذه الساحات المتباعدة أن الولايات المتحدة دخلت مرحلة تُدار فيها القوة بمنطق «الصدام المُدار»: تصعيد مرحلي، وتآكل للفاصل بين السلم والحرب، وتقديم للفعالية الاستراتيجية على الشرعية التقليدية. وهو مسار لا يعيد فقط تشكيل السلوك الأمريكي، بل يعيد رسم بنية النظام الدولي عبر صدمات محسوبة لا مواجهات شاملة، ويفرض على الفاعلين الإقليميين قراءة المستقبل بوصفه ساحة منافسة دائمة، لا مرحلة انتظار لاستقرار قريب.
…………………………………………………………………….
الكاتب: باحث في العلوم السياسية والأمن القومي
اقرأ أيضا:





